logo

الدكتور بكر العشري الذي فقدته الجامعة

كتب: نافذة مصر البلد - 2019-11-06 13:52:28

بقلم.

 د/ محمد طه عصر

 

      في ثمانينات القرن الماضي كان_طيب الله بالرضوان ثراه _  ضمن نفر من الايفاع يتنقلون  بين حلق اللغة بالقاهرة   كما يتنقل النحل بين الزهر لا يتذوق غير الشهد ولا يتنسم غير الرحيق ٠كان  يومئذ   فتي  غرانقا ، منضور الخلقة  ،وثيق التركيب  مربوع القامة، أوتي   بسطة في العلم والجسم تخاله لقوته  مصارعا    لكمته في كلمته٠  أحب الحضارة الاسلامية ووجد فيها كفاية لعقله الرغيب  ورضا لنفسه الطامحة فتخصص فيها  وأحلها من نفسه محل الغرض من السعي والغاية من الحياة ومع ان  التاريخ  الاسلامي  شغفه   وأشرب في قلبه  الا  أن  فيه الغث والسمين فما كان سمينا نتجرعه ونسيغه وما كان غثا نركمه جميعا ونصنع به ما صنعه عثمان  بكل مصحف غير مصحفه   ٠

 لم يكن الدكتور بكر العشري  مجرد استاذ  للتاريخ والحضارة في كلية اللغة بالمنصورة ولكنه كان استاذا في مدرسة   جعلت الحضارة  عقيدة للعامة  والتاريخ  فكرا للخاصة  ولم يكن في دراسته أوتدريسه   مجرد وراق يتسلل من السقوف الي الرفوف ثم يتدلي في المماشي ليتسول  في الهوامش  ويتسوق في الحواشي  ولكنه كان غواصا ماهرا يضرب في الأعماق  بيديه القويتين   ليستخرج كوامن الدر من كوامن الصدف فكان اقرب الي  اساتذة  الأزهر أيام  كان جامعا وقبل ان يصير جامعة وليس الذكر كالأنثي  ولم يكن في استاذيته  من  الذين بلغت  بهم الانانية  حد التضخم فرفعوا علي الجميع عصا القطيع فاذا دخلوا  علي تلامذتهم  كبكبوا ثم نهضوا وتداخلوا في بعضهم كما تتداخل أعواد القش اذا لفحتها العاصفة  وبهذا ران علي قلوبهم فلم يعملوا حسابا  ليوم تنتهي مهمتهم ويسحب البساط     من تحتهم   فيقعد عنهم الواقف وينصرف العاكف ويتعاقب علي كرسيهم  خالف بعد خالف وقد تصيبهم وعكة ولا  ينهض تلامذتهم للسؤال عنهم  ملاطفين أومؤاسفين أو باخعي أنفسهمم    كأنما  بات السؤال عن الناس كسؤال الناس٠

   ولم يكن رحمه الله في شئ من هذا  بل كان يتعامل  بشفافية تنفي الخبث عن  ضميره والكيد من تقريره  ويود لو  يخرس اللوائح اذا استصرخه الكظيم  أو استغاث به الهضيم  وكان في علاقته بمحيطه العلمي  كالعاطفة الرقيقة تتماس في رفق وتنفرج في سهولة  وكثيرا مايقابل المن والأذي بالمن والسلوي وينفح بالعطر حتي أنوف قاطفيه، وكان  في علاقته بمحيطه الاجتماعي مثقوب الجيب والكف حتي  ولو كان به خصاصة يرفرف بجناحيه علي شقاء ذوي العيلة من الغارمين  والمكروبين   الذين يؤثرون ان  يعملوا ثلثي النهار وزلفا من الليل علي ان يسألوا الناس الحافا   ليستدروا  الأكف بالسؤال  ويستجدوا  الجيوب بالسرقة ٠

كان عقلا حصيفا ولسانا نظيفا  وقلبا عفيفا وروحا شفافاة كالزجاجة تنم علي مافيها  فعلي لسانه جنانه وفي وجهه ترجمانه  تسمعه  فكأنك تقرأ من قلب مفتوح  ،وتعاود الجلوس اليه فلا تجد الا طلاقة الحديث وتشاجنه وتشققه الي شؤون الأدب والسياسةوالتاريخ والدين وبدهي انه   لم يكن  ليذكو ذكاة الكلمة الطيبةالا اذا ارتوت ارومته بشرف البيئة الحسنة وفضيلة التدين الصحيح وتغذت بذوره وجذوره بالغذاء المرئ  والشراب الهنئ والكساء الوضئ والمركب الوطيئ والفطرة النقية والنفس الرضية والعين القانعة التي لاتمتلئ من شئ غيرها ولا تمتد الي ما يتمتع به سواها لذا كان تمكنه في القلوب  عن قناعة العقل والروح لا عن جهارة الصوت وارتفاع  السوط، ثم تعاقبت امواج السنين علي شاطئ الحياة وهو محمول علي عواديها الرعن يحمل بعضه مع الرمل وبعضه مع الزبد والداء العياء يتحرك به حركة الطاحونة البطيئة حتي لم يبق فيه الا أنة شجية كأنة المحتضر لا تبين ودمعة عصية كدمعة أبي فراس لاتهمي٠

بالامس وقبيل رحيله  أطل من النافذة  فاذا رياح الخريف تنوح علي عذبات الشجر والأفق معتكر قريح جفنه والشمس صفراء عاصبة الجبين والغمائم الرقاق تتجمع غبرا  كخمل النعام ثم   تتفرق بيضا كلفائف الأكفان والأصيل يدفع بهلاهل النور علي ناصية الغروب   فأدرك ان الطبيب أمرضه  وأنه للجاهد ان يستريح وللناصب أن يستجم وللمسافر أن يلقي عصا التسيار وللسفينة أن تستوي علي الجودي عندئذ توضأ  وأجري القرأن علي قلبه وأمسك لسانه الا عن الكلمتين الثقيلتين في الميزان  ثم اخذته سنة طالت فصارت اغفاءة انفلت منها الي الأخرة كما تنفلت القطرة من المطرة لتصعد روحه الي حيث يصعد الكلم الطيب وكان وداعه وعزاؤه  مظاهرة تكريم    أرهفت الشعورالعلمي بدموع طلابه وأصدقائه  وزملائه  الذين زاملوه نصف عمره وخالصهم الصداقة والزمالة وقد   نفروا ثبات وجميعا ليشيعوه بما بقي في مأقيهم من عبرات يسكبونها علي ثراه وما حملوه في أيديهم من زهور ينثرونها علي قبره طيب الله بالرضوان ثراه  كان  حتي أخريات أيامه دنيا من العلم والأدب في جسد أضناه العمل والدأب فكان كالشمس ساعة الأصيل ترسل بأشعتها الوانية وهي توشك علي الغروب  فاذا جزعت النفوس لفقده فلأنه كان رسول مودة في زمن عزت فيه المودة ونحن اذ نكتب عنه  فانما نندب   غصنا ذوي ونجما هوي  وقطبا ثوي  ونفسا  أمنة مطمئنة  غفت في  ظلال الخلد ولكنها لم تمت.

 Tweets by masrelbalad