logo

عصر أينشتاين

كتب: نافذة مصر البلد - 2019-08-02 20:13:46

بقلم

حسام العادلى

 

قبل أعوام من البدء فى نشر أو حتى كتابة عمليّ الأدبييّن: «لمحات» مجموعة قصصية، «أيام الخريف» رواية، كنت قد عكفت على إنجاز مؤلف – ضخم نسبيًا ٢٧٠ ألف كلمة – فى الفقه السياسى؛ ولأسباب خاصة، قررت تأجيل نشر المؤلف الذى أستعد قريبًا لتنقيحه ونشره.

وفِى خلال رحلة البحث النظرى لتجهيز الكتاب، قابلت العديد من أساتذة الفكر والفلسفة. وكان غالب النقاش يدور فى حيّز النطاق النظري، حتى سألنى أحد أساتذة الفلسفة المرموقين بطريقة اعتراضية فاجأتني:

– ماذا تعرف عن نسبية أينشتاين؟

بادرت أردُ بثقة دار فيها لحن الاستغراب:

– ولا أى شيء يا دكتور..

أجبتُ، وأنا متيقن أن جهلى «بأينشتاين» لا ينال من قدراتى الذهنية، أو حتى ينتقص ثقافتى العامة فترًا واحدًا..

لم يساورنى شك وقتها أن الأستاذ العجوز يهذى فى آخر أيامه؛ فما علاقة أستاذ عتيد فى الفلسفة بالفيزياء النووية وميكانيكا الكم، ليس هناك أى تشابه بين الفكر التنظيرى والرياضيات البحتة!!

 

تعددت اللقاءات مع الأستاذ، والرجل لا ينثنى عن طلبه الأثير بأن أتواصل ذهنيا مع أينشتاين وأحاول فهم النسبية بطريقتي. ولا أزال ثابتًا على موقفي، ويزداد يقينى بخرف الرجل.

بعدها بشهور.. تخليت عن فكرة النشر، والدكتور المخضرم توفاه الله، وأينشتاين بقى على حاله؛ لا يمثل لى غير: فيزيائي، صاغ معادلة القنبلة الذرية، غريب الأطوار، منكوش الشعر.

فى إحدى المكتبات العامة لفت نظرى غلاف جاذب لكتاب؛ إذ يضع صورة كارل ماركس الفيلسوف – إلى جانب صور فيزيائيين ورياضيين أمثال: أينشتاين ونيوتن وبوانكاريه!

 

وعنوانه «بين الفيزياء والفلسفة»، هالنى العنوان، ليردنى إلى إلحاح أستاذ الفلسفة رحمه الله. تأجّج شغفُ المعرفة لإدراك نقاط التلاقى بين عالم – الفلسفة والفكر – أعشقه وأفهم نظرياته، وبين عالم آخر – الفيزياء – لا أعرف عنه الكثير.

فى البداية ورغم شغفي، قرأت الكتاب بعقل مهزوم فكريا، ونفس عزّ عليها الاعتراف بالجهل، لأكتشف أنى كنت مخطئًا، وقد فاتنى الكثير، ولكن سريعًا ما استردنى طموح المعرفة؛ فدأبت على الاستزادة من بروفيسور أينشتاين، أمضيتُ فى حضرته ستة أشهر، عشت خلالها بكامل وجدانى معه؛ كمن يصبر على تكسير أطنان الصخر ليحصل على الذهب الخالص، تلاشت بمرور الوقت المعادلات الرياضية ونقد حديثات ميكانيكا الكم، وتجلّت أمامى النسبية بوجهها الحقيقى الغاية فى البساطة؛ نظرية: فلسفية، عقلانية، إيمانية، عادلة، منصفة للإنسان، وتتسق مع فطرته الربانية

 

 

هدم أينشتاين فكرة اليقين العلمى الثابت والقديم، ما امتد إلى سائر العلوم والمجالات النظرية والتطبيقية، فمن منطلق اسم النظرية «النسبية» يأتينا المعني: إنه لا مطلق ولا ثوابت، إنما التجريب هو أساس كل تقدم وتطوير. خرجت النظرية النسبية من منطقة الفرضيات والمعادلات الرياضية لتكون أسلوبًا للحياة، نسبية كل شئ بالنسبة لنظيره والدعوة إلى الخروج من حيّز الجمود. مثال: لم نجرب الكتابة بهذه الطريقة لأننا تعلمناها قديمًا هكذا.

وكأنها معركة بين القديم والحديث؛ أينشتاين جاء لينفى نيوتن، ولم يخف مواجهة العالم وهو دون الثلاثين؛ ليشكك فى قوانين الحركة التى وضعها قبله العظيم نيوتن، واعتلت عرش الفيزياء لثلاثة قرون، وتوصل إلى صحة فرضياته وخطأ نيوتن وعدم دقة معادلاته رغم اتخاذها ثوابت لا تتغير.

لذلك دائمًا أقول إننا فى عصر أينشتاين – حتى الآن – ولكن هذا لا يعنى أننا سنظل حبيسى أينشتاين؛ يوما ما سيأتى شخص ما ويهدم أينشتاين. بالفكر والرؤية قبل المعادلات الرياضية.

 

 Tweets by masrelbalad