logo

العدد في الليمون.. صدقت الأمثال الشعبية وكذبت «حماية المستهلك»!

كتب: بقلم - إبراهيم فايد - 2019-06-09 11:16:10

بقلم - إبراهيم فايد


«العدد في الليمون».. عبارة شائعة ضمن عشرات وإن شئت فقل مئات الأمثال والحِكَم والاقتباسات واللازمات اللغوية في فنون الرد والتحاور التي لطالما امتاز بها المصريون على مر التاريخ، لا سيَّما بالمناطق الشعبية البسيطة التي تتقن جيدًا فن استعمال العبارات المفتولة تلك في نماذج عامية منتشرة يعبرون بها عن شتَّى المواقف والأحداث والظروف والأوضاع، وكذا لوصف مشاعر الدهشة والفرح والحزن والقلق والريبة والتوتر والخوف والنجاح والصدمات وغيرها من أحاسيس تجول بخواطرهم قد لا يملك أعتى اللغويين من الفصاحة والذلاقة والبلاغة والبيان ما يصف به الأمر أكثر من تلكم المصطلحات الصارخة، ولعل «العدد في الليمون» من أشهر ما يردده المصريون من عبارات مرارًا وتكرارًا بمناسبة وبلا مناسبة للتعبير عن فرط وفرة شيء ما بكميات كثيفة ومقابل زهيد؛ إذ لم نجد كمصريين منذ آلاف السنين سوى الليمون ليكون خير دلالة على الفرط والزهد والرخص.

دعوني أخبركم، أنه ومنذ قرابة الشهرين تواصلت بأحد قادة وزارة الزراعة بقطاع الإنتاج، وطرحت عليه استفساري حول علة ارتفاع سعر الليمون ليصل لأربعين جنيهًا -حينها- وهو ثمن لو تعلمون عظيم لا شك وفق ما اعتدنا عليه طوال أعمارنا، ولم نكن نعلم بأنه أفضل حالًا مما نحن عليه الآن، وكان رده الجاهز والمقولب -كعادة مسؤولينا- أن العروة الشتوية لمحصول الليمون في طريقها للنفاد؛ لا سيَّما بعد استعانة المصريين بأعداد هائلة منها خلال موسم شم النسيم، في حقيقة الأمر كانت إجابته مقنعة إلى حد ما، وعلى افتراض أن الكميات شقَّت طريقها للنفاد بالفعل فارتفع سعرها إلى ما نراه الآن، فهذا أيضًا يدفعنا للتساؤل.. مَن يحدد أسعار المواد الغذائية في مصر على اختلاف أهميتها سواء كانت رئيسية كالخُضَرِ والفاكهة والسلع الأساسية أو حتى الثانوية التي يقع ضمنها الليمون والتوابل وشتى الطعوم والمُقَبِّلات؟ وأعلم بالطبع أن «العرض والطلب» من أساسيات تحديد الأسعار، ولكن مَن يبقى لديه اليد الطولَى في تحديد كمية المعروض في مصر بالمخازن والشون وغيرها من وسائل حفظ وتخزين للسلع والمنتجات الغذائية ومن ثَمَّ تقييم السعر الأمثل لطرحه بالأسواق؟!

لا أخفيكم سرًا، لم أبخل بوقتي يومًا وما أتيح لدي من تعاملات مهنية لأناقش خلالها مشكلة تضارب السلع بين تاجر وآخر أو مدينة وأخرى، ومَن المسؤول عن هذه المهزلة؟ وفي كل مرة يتوتر الحديث وتتلجلج الألسنة ما بين مسؤولي الزراعة والتموين وجهاز حماية المستهلك خاصتها الذي لا يلبث يلقى العبئ على جهاز آخر، حتى ما أن تأمل في الخلاص باعتراف أحدهم بتقصيره.. تجده هو الآخر وقد ألقي الاتهامات بالجملة على الشعبة المخصصة لهذه السلعة بالغرفة التجارية، كما أن بورصة وشوادر السلع على اختلافها سواء الأسماك والدواجن واللحوم والخضراوات وغيرها تدخل التنافس في ظل أسواق بيضاء وأخرى سوداء وثالثة يشوبها الغش والتلاعب ورابعة وخامسة وسادسة.. والجميع يتلاعب بغذاء المصريين بين الحين والآخر لأسباب قد تبدو سياسية حينًا واقتصادية في أحايين اخرى، وهكذا يتيه الناس بين هذا الكم المتلاطم من الأمواج المتضاربة مذبذبين لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء.

لا يكاد عقلي القاصر هذا يستوعب مدى الغلاء الفاحش الذي أصاب ثمار الموالح عامةً والليمون على وجه الخصوص، وهو الذي لطالما فَرَّ إليه المصريون من حرارة الصيف وجفاف الحلق وهبوط الدورة الدموية وإرهاق النشاطات اليومية؛ نظرًا لانخفاض ثمنه -فيما مضى- ليكون بديلًا طبيعيًا عن العصائر المنعشة وتلكم المشروبات الغازية باهظة الثمن، فضلًا عن احتواءه على طعوم جذابة تعمل كمُقَبِّلات ومُشَهِّيات عند تناول الطعام، وفي نهاية المطاف يفيق المواطن على خبر التسعيرة الحرة في السوق الحر ضمن الاقتصاد الحر الذي هو أحد دلالات التنمية العالمية!! ... إلى غير ذلك من حجج وأطروحات عقيمة أنهكت عاتق الشعوب؛ إذ تتبنى الحكومات والأنظمة المتعاقبة سياسات دولية فيما يتعلق بواجبات المواطن، أما عند حقوقه فلا تجد إلا كما أزبد خريج التوكتوك الألمعي اللوذعي الحاذق الفصيح حين قال: «نتفرج ع التليفزيون نلاقي مصر ڤيينا، ننزل في الشارع نلاقيها بنت عم الصومال».. والله من وراء القصد وهو يهدي إلى سواء السبيل,,
#إبراهيم_فايد
#journalimo

 Tweets by masrelbalad