logo

ما أقسى الوحدة

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-12-14 16:31:00

بقلم / د. مي مجاهد 

 

استيقظت مبكرا .. تناولت طعاما لا تتذكر في الغالب مذاقه ألقيت نظرة باهته على شركائك في المنزل وتبادلت حوارا لا تتذكر فحواه ينتهي بغلقك الباب لتتنهد بقوة وكأنك ألقيت حمل ثقيل عن صدرك لتبدأ الحمل الاثقل ، نظرات مختلفة .. أصوات متداخلة .. شوارع وأزقة تبدوا مألوفة رغم غربتها .. أحداث تبدو متكررها رغم اختلافها كأولئك الذين تجبرنا الحياة أن نتشارك سويا لحظات من سعادة .. لحظات من حزن .. من فرحة .. لحظات من أسى أو ألم .. وما بين صباح ومساء ينقضي يوم بعد يوم ، وعام يعقبه عام يترك بداخلنا العديد والعديد من المشاعر ولكن يظل اوجعها علي الإطلاق هو الشعور بالوحدة .

 

الوحدة ذلك الضيف الذي لا أحد يستطيع حقا تحمله مهما ملك ما لم يملكه الآخرون ، لن تستطع تحمل أن تكون وحيدا بين العيون تبحث عن نظرة دفئ وليس رغبة .. وحيدا بين القلوب تبحث عن دقة حقيقية وليست زائفة .. وحيداً بين الوجوه تبحث عن الأمان وليس الخوف .

 

لن تستطع تحمل أن تكون وحيدا بينما الساعات والأيام والسنين تمر .. تتمنى أن تشارك أحدهم حقا لا زيفا لحظات حزنك .. سعادتك .. وجعك .. فرحك .. ألمك .. ضعفك .. فلا تجد للأسف سوى السراب على شكل أفواه تتحدث .

 

الوحدة هي أن تشعر بالغربة بين أقرب الناس .. تشعر بالعزلة بين الجميع ، تبدأ شيئا فشيئا تتقوقع خلف عدسات قاتمة ، سماعات صوتية ، تنعزل خلف شاشة مصمته لن تطمع لن ترغب لن تطلب لن تكذب أو تخدع .. تبحث عن السعادة في تعليق لا ترى منه غير أحرف .. عن الفرحة في ضغطة إعجاب لا تعلم من صاحبها .. بل وتشعر بمنتهى اللذة في تلك العوالم الإفتراضية الزاخرة بالونس الذي تتمناه بعيدا عن زيف الحياة .

 

الوحدة أن يتذكرك هذا الذي لا تعرفه بينما ينساك الصديق ، يهنئك هذا الذي لم تلقاه بينما يغفل الجار ، يضحك هذا الذي لا ترى شفاه بينما يتجهم الشريك ، يحنو هذا الذي لا تعلمه بينما يقسوا الأهل ، ويقترب من كنت تظنه بعيدا ويظل مبتعد من تظنه قريب بحكم وجوده ، وتختل الموازين وتشذ القواعد وتتغير المعطيات بينما هناك ثابتة وتتطور من أحسن إلى أحسن مع كل تحديث .

 

الوحدة هي الإرتماء بين من تنفر نفسك منه .. هي اللجوء لمن ليس أهلا للملاذ .. هي أحتضان من ليس على مقياسك تشعر داخل ضلوعه بالاختناق ولكنك متمسك به حتى لا تظل وحيداً بائساً .. فتتساءل أليس الإنسحاب أفضل كثيراً وأخف وطأه من حضن ليس لك يمنحك خوف بدلا من السكينة وألم بدلا من اللذة وبينما تضيق عليك الأرض بما رحبت ، يرحب بك عالمك الخاص .. فأهلا ومرحبا به .

 

الوحدة أن تبتعد تدريجيا عن لقاء مباشر ، عن مكالمة هاتفية ، أن ينتابك الاضطراب من المواجهة ، الإرهاق من الواجبات الاجتماعية ، الضجر من التجمعات فهذا ليس مكانك ولكن عليك أن تعود مسرعا إليه إلى عالمك .. لتكتفي بنفسك من وراء جدر تضحك .. تحزن .. تفرح .. تبكي .. تشعر بكل ما تبغاه من مشاعر في صمت قاتل داخلك في ذلك التابوت الذي أثقل صدرك واحني ضلوعك بلا تعابير بلا إفصاح .

 

الوحدة هو أن يتحول وجهك مع الوقت إلى قناع من الملامح لا تنبأ بما خلفها .. أن تضحك وأنت تبكي .. تتحدث وأنت صامت .. تتابع وأنت مشتت .. تسمع و أنت أصم ولكنك قادر على فصل نفسك عن العالم الخارجي بجدارة وكأنك بت تمثال بشرى بلا حياة يا الله هل يشعر أحد بك كما تشعر أنت !!

 

ليست هذه حالة فصام نفسي تحتاج طبيب ولكنها حالة عامة يشعر بها من تعرض لنوبات ألم خلف ألم .. خذلان خلف خذلان .. إنكسار خلف إنكسار .. فأصبح يعانى من جرح لا يطيب .. جرح لا يندمل .. جرح عميق بعمق الوجع المحفور جواه .. عنـيد قلب لا يستجيب .. جرح ينزف وينزف في صمت وسكون بينما تعلو الضحكة تقاسيم صاحبه فتخطف القلوب ببراعة وتنثر الفرحة في براءه .. إنه لا يشعر بالمرض يا سادة هو فقط يشعر بالوحدة .

 Tweets by masrelbalad