logo

«فايد» يكتب: اقرا الحادثة.. أجمل حادثة!

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-12-11 12:42:52

في قلب المعمعة، وتحديدًا بالعربة الأولى مِن مقطورةٍ عرجاء عمياء صمَّاء -تتبع سكك حديد مصر- وقد أكل على متنها الدهر وشرب وتكالبت إليها عاهات الدنيا والآخرة فأبَى الحظ إلا أن يعوضها ضَعف الجودة والإمكانيات بقوة العزوة والنفوذ حيث كان «الفانز» خاصتها -أي ركابها الكرام بلغة الفنان الكبير «مجدي شطة»- يتجاوزون المائتين تحت وطأة ضجيج سَرينها الذي يصيب المارَّ على بُعْدِ سبعة أميالٍ، مع كركبات العربة وتشنجاتها وتقلباتها بصِدامات وضجيج تلكم الشناكل المعدنية الصلبة الواصلة ما بين الوابور والعربة الأولى وكذا ما بينها والثانية.. كل هذا اجتمع مع صوت الباعة الجائلين بالحلاوة واللب والحمص والفول السوداني والملبس والبسكويت والمناديل والخردوات والدبابيس والاكسسوارات وألعاب الأطفال التي يسهل على الباعة حملها والتنقل بها وسط الزحام، في حين يتزامن ذلك مع نداءات الركاب للباعة وفصالهم وصفقاتهم السريعة وكُلٌّ يستعرض قدرته على الشراء بسعرٍ خفيض.

ومِن فوق كل أولئك كانت مشاجرات طلاب الجامعة تشتعل إذ يستعرضون ذكورتهم الجوفاء فيما بينهم أمام الطالبات المغتربات للفوز باستحسان إحداهن، أما مِن دُونِهم فكانت نقاشات فئة الموظفين الذين اجتمعوا حول إحدى الصحف الورقية يحللون الأسعار والزيادات والرواتب والحوافز والمكافآت مع موزعي الصحف الورقية الذين اعتادوا الخروج في الصباح الباكر من كل يوم ليوصلوا الأعداد الورقية بإصداراتها المختلفة على طول المدن والمراكز، بينما أعلى أرفف الحقائب لم يجد هؤلاء المُجَنَّدون سوى التمدد غارقين في سُباتهم العميق يغُطُّون غير عابئين بكل تلك الخزعبلات التي اعتادوا عليها مع كل سفرية خدمةٍ كانت أو أجازة، وأسفل منهم -ورغم البرد الشديد وقطرات المطر- راح يجلس على حافة النوافذ المفتوحة مندوبو مبيعاتٍ حملوا فوق رؤوسهم أجولةً بلاستيكيةً بها ما بها مِن الملابس والمنسوجات في طريقهم للمصالح الحكومية بالمدينة وكانوا قد وصلوا لِتَوِّهم قبل انطلاق القطار بدقائق.

ومن ناحية أخرى، وفي طرقات القطار المتسخة بالأتربة التي أصبحت كالعجين إثر الرطوبة والندى الليلي والأمطار، كانت تجلس نساءٌ قمحيات اللون اعتدن استقلال القطار للمدينة كل يوم عدا الجمعة لبيع الجبن والفطير، وقد تحولت بشراتهن الرقيقة لأخرى متصلدة متشققة تشوبها سُمرةٌ لامعةٌ إثر التجول بالشوارع والطرقات طيلة النهار لسنواتٍ وسنوات، وفي ركنٍ بعيدٍ ليس بهادئٍ قبيل بداية العربة ونهايتها وعلى عتبات الأبواب المفتوحة على مصراعيها -لعدم وجود أبواب- وقف بعض الركاب ما بين شبابٍ وسيداتٍ وشيوخٍ والكل يتفكر في وِجْهَتِهِ، فمنهم مَن يسافر بُغية التقدم لعملٍ، ومنهم مَن سافر ليحجز موعدًا طبيا لوالده المصاب بفشلٍ كُلَوِيٍّ كاد يقضي عليه، ومنهم مَن حملت ابنتها الصغرى ذات السبعة أعوام وقد عانت الأمَرَّين لتحصل لها أخيرًا على إجازة بأمر القوميسيون للغياب من المدرسة كل يوم ثلاثاء؛ لعلاجها من التشنجات العصبية بمستشفيات الجامعة، وهناك رجلٌ طاعنٌ بالسن لم يجد متكئًا حتى جلس واستند بظهره قبيل عارضة الباب بقليل وقد كساها الصدأ الذي صبغ جلبابه الأبيض فتَمَخَّض بِلَوْنِ سيقان الأشجار، وكانت إلى جواره سيدةٌ طُلِّقَت مؤخرًا وتحمل رضيعها وبيديها فتاتين وصبي في أعمار الزهور تذهب بهم إلى أحد أقاليم الصعيد حيث تقطن عائلتها.

وسط كل ذاك الزخم والحنق والضيق وضغوط الحياة والكل يتفقد حاله ويتحَيَّن لحظات الوصول في ضجرٍ شديد؛ إثر برودة الجو والزحام والمشاجرات والضوضاء والمكان المتسخ، والكل يأمُل التيسير والتوفيق.. وقد كرمني الله بِمِقعدٍ تساجمنا سويًا -أنا وهو- طيلة ساعتَيِّ سفرٍ ويزيد قليلًا حاولت خلالها كل جهدي ألَّا يصيبني من القذَر والدنس والاتساخات في أرجاء المكان أي شيء حتى أُنهي وِجْهَتي كما بدأتها، وإذا بها -البِكر الرشيد العاقل فارعة الأطوال مستديرة الأعراض يتلذذ الشهد مِن لَعْقِ حالها وشعاع الشمس مِن مَسِّ جِيدها- وقد وصلت محطتها الموعودة قبل محطتي بخمس دقائق فقط، وفي حركةٍ فُجائيةٍ منها أرادت تَخَطِّي قدمي لتنزل من القطار فما كان منها إلا أن وطَأَت بحذائها المَصون وكعبِهِ المسنن الموزون خنصر قدمي وبنصرها مِن فوق حذائي اللامع قبل أن يتحول لقطعة من الجلد المهروس بلدغات الورنيش ولطعات الطين ونكزات كعبها الجبار؛ حتى بِتُّ كمن يرتدي خُفَّيِّ راعٍ ممزقتين فقدهما لساعاتٍ في عرين أسدٍ فاقتاتت عليه الأشبال حتى تعود لها بقية الزمرة بالطعام.

وهنا انفجرت عروق رقبتي غضبًا، واحتد صوتي وانطلق لساني المهذب يوبخها: «حاسب يا »، ولم أكد أكمل معزوفة البذاءات حتى قطعَت رعونتي ببسمةٍ مِن عَيْنَيْها البشوشتين ويعض كُلَيْماتٍ رقيقاتٍ مِن شفتَيْها الحمراوين: «يوه، موتأسفة خولص ياأوستاذ».. وبينما أنا أستشيط غضبًا ولا أحتمل ما أصاب «مشط قدمي» فقد حافظْت على موقفي وصمدْتُّ لا أتنحنح أو أتزحزح ونظرْت لها بكل حمَسٍ وأردفْتُ ما بدأته موبخًا إياها: «حاسب يا لهطة القشطة تتكعبل والملبن يغرق الأسفلت»، لم أَفُق مِن غفوتي إلا على صوتها اللين الحنون والأبجدية تتناثر من فمها متبخترةً كقطرات ندىً حَطَّت مِن عَلٍ وتقول باسمة الثغر «هو فين الأسفلت دا.. تقصد القضبان حضرتك هئ هئ هئ هئ هيييي».. بينما اندمجت أنا في رحلتي الأخرى لإصلاح ما أفسده كعب حذاءها المصون! 
#إبراهيم_فايد

 Tweets by masrelbalad