logo

إعلان حالة الحرب فى الدستور المصرى

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-05-05 20:24:49

بقلم د/  اسامة محمد شمس الدين

الكاتب والباحث القانونى

 

يبقى  الصراع هو الصراع على مر العصور والأزمان، فصراعات اليوم ما هى إلا صورة مكررة من صراعات الأمس، يتغير المكان وتتبدل الأزمان ويبقى الصراع، الشكل واحد ونتيجته الحتمية واحدة، وهى القتل والدماء  والخراب  والدمار وتناثر أشلاء بنى الإنسان.

ولقد كان الإنسان  - ولازال -  هو المحرك الأول لكل ساكن ـ خيراً أو شراً ـ وتبقى  رغبة الإنسان فى السيطرة والتحكم هى السبب الرئيسى فى كل صور الصراع على مر العصور، ويتفق الكثير من المفكرين على أن الصراع هو ظاهرة طبيعية فى حياة الإنسان وفى حياة المؤسسات جميعا، فبدأ من الأسرة مرورا بالقبيلة والدولة والأمة، كان الصراع قائما،  وسريعا ما  انتقل هذا الصراع من الأشخاص الطبيعية -  الإنسان -  إلى الأشخاص المعنوية  -  الدول -  فبات الصراع على الأرض وما تحوية من خيرات، فنشأت الحرب بقصد السيطرة والتحكم قهرا وظلما.

والحقيقة  أن الحرب ليست من الأمور الضرورية فى هذا العالم الملئ بالمؤامرات والمكائد والتأمر على حقوق الشعوب ومكتسباتها، ولكنها أيضا قد تكون من الأمور اللازمة لفرض سيادة الدولة وإستردادها لحقوقها، والحفاظ على ثرواتها وممتلكاتها، وحقوقها التاريخية والسيادية، ولا يوجد سبب معين قد يكون دافعا لنشوب الحروب، فقد تنشب الحروب لا لشئ إلا لمحاولة فرض سلطان دولة على أخرى، أو لمحاولة إثبات دولة لدولة أخرى انها أكثر منها سيطرة ونفوذاً، وفى هذه الحالة تتم الحرب على دولة ثالثة، لإظهار أطراف الصراع مدى قوتهم وسيطرتهم، وقد تتم الحرب بهدف فرض ديون تكاليف الحرب على الدولة التى وقعت عليها، أو القيام بتجارب لإستخدام الأسلحة، او إستنفاذها بهدف التخلص منها، تحت غطاء دولى، عادة ما يسمى حماية حقوق الأقليات، أو تحرير الشعوب من قبضة حاكم مستبد، ولعل الأحداث التى تدور من حولنا هى الأجدار ببيان ذلك.

والحرب فى مفهوم  القانون الدولى لا تكون إلا بين الدول من خلال نشوب صدام بين قوتين مسلحتين لدولتين متنازعتين أو أكثر، فهي نزاع بين القوات المسلحة لفريقين متنازعين،ترمي إلي صيانة حقوق  الدولة ومصالحها  في مواجهةدولة ما أو دول أخري

وهى بهذا المعنى تعبر عن نضال مسلح بين فريقين متنازعين يستعمل فيها كل فريق ما لدية من وسائل الدمار للدفاع عن حقوقه أو لفرض إرادته على الغير.

ويميل بعض فقهاء القانون الدولى  إلي التوسع في مدلول الحرب بحيث تخضع لحكم الحرب الدولية كل قتال مسلح علي نطاق واسع،حتي ولو كان يدور حول جماعات لاتتمتع بوصف الدول وفقاً لقواعد القانون الدولي.

وتعـــد الحرب من الظروف الإستثنائية التى تتعطل فى ظل قيامها أو وجودها العديد من الحريات، كون وجودها يرتبط بإعلان حالة الطوارئ فى البلاد التى تقوم فيها الحرب، لمساسها بالنظام العام ومؤسسات الدولة،وإستقلال الامة،والسلامة الترابية للبلاد،ومعاهدات الدول وإلتزاماتها الدولية،بل إنها قد تهدد بإزالة الدولة من الوجود، وسوف نتناول موقف الدساتير المصرية من إعلان حالة الحرب، مميزين بين مرحلتين ما قبل ثورة 1952وما بعدها.

                        أولا : إعـــلان الحرب فى دساتير ما قبل ثورة 1952

 

دآبت الدساتير المصرية على تخويل رئيس الجمهورية  -  الملك -  سلطة إعلان حالة الحرب.

ففى ظل النظام الملكى كانت الدساتير المصرية  تمنح الملك القيادة العليا للقوات البرية والبحريه، ولذلك خولت له حق إعلان الحرب بعد موافقة البرلمان.

فقد نصت المادة  46 من دستورى  1923 و  1930، على أن (( الملك هو القائد الأعلى للقوات البرية والبحرية. وهو الذي يولي ويعزل الضباط ويعلن الحرب ويعقد الصلح ويبرم المعاهدات ويبلغها البرلمان متى سمحت مصلحة الدولة وأمنها مشفوعة بما يناسب من البيان. على أن إعلان الحرب الهجومية لا يجوز بدون موافقة البرلمان....الخ )).

على أن الملاحظ من خلال نص المادة السابقة أن المشرع الدستورى قد فرق بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية، فلم يشترط فى الحرب الدفاعية موافقة البرلمان عليها.

 ويرجع السبب فى ذلك أن طبيعة مثل هذه الحرب لا تستلزم مثل هذه الموافقة، فالتعلل بالموافقة مضيعة للوقت قد يترتب عليها فناء الدولة وضياعها.

أما فيما يتعلق بأخذ راى البرلمان فى الحرب الهجومية فمرجع ذلك ما قد يترتب علي هذه الحرب من نتائج يتعذر تداركها، أو أن يتم  اقحام الدولة فى حرب  لا مصلحة لها فيها .

ونحن نعتقد أن حرب استرداد الأرض تعد من الحروب الدفاعية التى لا تستلزم مثل هذه الموافقة، فيكفى أن يكون رئيس الجمهورية  - الملك - من الأشخاص القادرين على تحمل المسئولية تجاه البرلمان وأن يكون على استعداد لها، وأن تكون الأسباب التى بنى عليها قيام الحرب مؤدية الى النتائج المبتغاه من قيامها وهى استرداد الأرض.

ثانيــا: إعـــلان الحرب فى دساتــير ما بعد ثورة 1952:

بعد قيام ثورة 1952 استمرت الدساتير المصرية فى منح رئيس الجمهورية هذه السلطة، فصارت على نفس المنهاج، فقد نصت المادة 142 من دستور 1956 على أن (رئيس الجمهورية هو الذى يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الأمة).

كما نصت المادة  (150) من دستور 1971 علي أن ( رئيس الجمهورية هو القائد الأعلي للقوات المسلحة،وهو الذي يعلن الحرب بعد موافقة مجلس الشعب) على إعتبار أن الرئيس هو المنوط به حماية أمن البلاد والسلامة الترابية لها، وهو الحارس الساهر على حمى الوطن، من خلال قوات البلاد المسلحة، عبر الحدود البرية والبحرية والجوية

ويرجع السبب فى ذلك  إلى إعتبارات تاريخية حيث كان الرؤساء فى العصور القديمة يقودون الجيوش  قيادة فعلية، فكانوا يتقدمون صفوف المحاربين  معتمدين على قوتهم البدنية، على أن التطور الذى لحق الأسلحة المستخدمة فى الحروب، جعل من المستحيل على رؤساء الدول مباشرة القيادة الفعلية،مما إضطرهم إلى ترك هذا الدور إلى هيئات عسكرية نظامية متخصصة، وهو ما يفهم منه ان المقصود بالقيادة هنا القيادة الرمزية وليست القيادة الفعلية.

وقد أكدت المادة  (146) من دستور 2012 نفس الحق لرئيس الجمهورية إلا انها قيدته بقيدين، بقولها  ( رئيس الجمهورية هو القائد الأعلي للقوات المسلحة، ولا يعلن الحرب ولا يرسل القوات المسلحة الي خارج الدولة،إلابعد أخذ رآي مجلس الدفاع الوطني،وموافقة مجلس النواب بأغلبية الأعضاء)، وهذان القيدان هما موافقة مجلس الدفاع الوطن، ومجلس النواب.

و الجدير بالملاحظة فيما يتعلق بالقيد الأول  أن المادة (182) من الدستور قد أناطت بمجلس الدفاع الوطنى إختصاص نظر الشئون الخاصة بوسائل تأمين البلاد وسلامتها، والحقيقة أن إعلان الحرب يعتبر أحد الحالات التى من شأن حدوثها أن تضر بسلامة البلاد، وهو ما يجعل اخذ راى مجلس الدفاع الوطنى أمرًا حتميا وضروريا ، وإن لم يرد النص عليه فى المادة (146) من الدستور، فهذا النص يعد تاكيداً وتوكيدا لهذا الحق.

أما فيما يتعلق بالقيد الثانى وهو أخذ موافقة مجلس النواب، فإن هذا القيد قد رددته  نصوص الدساتير المصرية جميعها، سواء ما كان منها قبل ثورة 1952، أو ما كان بعدها، 1971 أو 2012 ، أو 2014، والفارق الوحيد بين هذه الدساتير فيما يتعلق بهذه الموافقة هو فى تحديد النسبة، ففى حين لم يشترط دستور 1971 أى أغلبية، حدد دستور 2012 شرط الأغلبية لكن دون تحديد نسبتها وما إذا كان يقصد بها الأغلبية المطلقة، أم اغلبية الثلثين،وهو ما تداركة المشرع الدستورى فى دستور 2014، حيث حدد نسبة الأغلبية بالثلثين، ويعد ذلك أحد عناصر تميز دستور 2014، حيث جاء بهذا الشرط منفرداً.

وقد اكدت المادة  (152) من دستور 2014 هذا الحق  إلا أنها أضافت الى القيود الواردةبعاليه  قيداً جديداً تحسبا لما ما قد يطراء من ظروف إستثنائية فى البلاد، تتعلق بإعلان الحرب فى ظل غيبة البرلمان بنصها على انه  (...... فإذا كان مجلس النواب غير قائم يجب اخذ رآي المجلس الاعلي للقوات المسلحة،وموافقة كلاً من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطني).

والمشرع الدستورى قد تدارك هذه المسألة لأهميتها حيث لم يرد النص على تنظيم آليه إعلان الحرب فى ظل غيبة البرلمان، إلا أنه  صار أكثر تشددًا فى حالة غيبة البرلمان حيث اشترط موافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة، بالإضافة لموافقة كلا من مجلس الوزراء ومجلس الدفاع الوطنى، وقد يتبادر إلى ذهن البعض لما هذا القيد أصلا  والحرب لن تتم إلا بموافقة المجلس الأعلى للقوات المسلحة ولولم ينص الدستور على ذلك، وهو ما يجاب عليه بان هدف المشرع الدستورى وضع تنظيم الزامى لرئيس الجمهورية، وإن كان يعاب على المشرع عدم تحديد كيفية وألية أخذ هذه الموافقة.

وهو ما يدفعنا إلى توجية النقد للمشرع الدستورى، وإقتراح تحديد ألية الموافقة وكيفيتها ونسبتها من بين أعضاء المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

 وقد يرجع  السبب فى هذا النص أيضاً إلى  رؤية المشرع الدستورى عدم جواز إنفراد رئيس الجمهورية بمثل هذا القرار فى ظل غيبة البرلمان، ناتجاً  عن ظروف سياسية معينه كانت قد مرت بها البلاد فى أعقاب ثورة 25 يناير 2011 ،حيث كانت هناك حالة من فراغ السلطة التشريعية.

أو أن  الأمر يتعلق بسيطرة أحد التيارات الدينية على الحكم  أنذاك وهو جماعة الإخوان المسلمين ، وقد تحسب المشرع بعد ثورة 30/ يونيو/2013، من حدوث ذلك مستقبلا بهذا النص ، ويبدو السبب الأقوى لدينا هو محاولة تقييد سلطات رئيس الجمهورية بمجموعة من الضمانات الدستورية، تكون مانعة من جموحة فى إتخاذ قرارات إنفرادية قد يترتب عليها أضرار بالأمن القومى االمصرى والسلامة الترابية للبلاد.

ويؤخذ على دساتير ما بعد ثورة 1952 أنها لم تفرق في أخذ رآي مجلس النواب بين الحرب الهجومية والحرب الدفاعية،فإذا كان منطقياً أن إعلان الحرب الهجومية لا يكون إلا بعد موافقة مجلس النواب،فإن الحرب الدفاعية لا يمكن ان تنتظر هذه الموافقة، خاصة بالنسبة للحروب الحديثة التي قد تكون الساعات الاولي فيها حاسمة،ولا يمكن ان تنتظرمثل هذه الموافقه.

وما يهمنا فى هذا الأمر هو أن يكــون إعلان الحرب من الأهميــة التى تدفع برئيس الجمهــورية للعرض على مجلــس الدفاع الوطنى، والبرلمـــان و أن تستنفذ الدبلوماسيـــة المصــرية كافــــة ما لديها من وسائل سياسية، فى محاولة التوفيق، فليس من دولة تسعى للحرب إلا أن يكون لها فى الحرب مصلحة أكبر من تلك التى يمكن أن تترتب عليها من خسائر وإن كانت فادحة.

 

وسائل التواصل مع الكاتب

 

https://www.facebook.com/Osama.Shams.AlDeen

 

[email protected]

 

مقالات سابقة لنفس الكاتب

 

الارهاب أقدم ظاهرة فى التاريخ http://masrelbalad.com/index.php/home/single_artical/39534

 

مبدأ الفصل بين السلطات فى الدستور المصرى http://masrelbalad.com/index.php/home/single_artical/39899

 

 الدستور المصرى وأعمال السيادة  http://masrelbalad.com/home/single_artical/40259                               

 Tweets by masrelbalad