logo

الدستور المصرى وأعمال السيادة

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-04-17 19:43:15

د. اسامة محمد شمس الدين

الكاتب والباحث القانونى

تعتبر نظرية أعمال السيادة من النظريات السياسية القضائية الفرنسية الحديثه، حيث ابتدعها مجلس الدولة الفرنسى على أثر ظروف سياسية تتلخص فى محاولة المجلس الإبقاء على وجوده واستمراره.

حيث كان إنشاء مجلس الدولة الفرنسى ضمن إنجازات الثورة الفرنسية، 1789 - 1799، وعلى إثر عودة النظام الملكى فى عام 1814، بدأت الأفكار الملكية تتجه إلى العصف بوجود مجلس الدولة واقتلاعه من أساسه، بإعتبارة أحد إنجازات الثورة ومخلفات المجال القضائى، التى يجب أن يتم التخلص منها.

وحتى يتفادى مجلس الدولة الفرنسى هذه الإجراءات فى سبيل الإبقاء على وجوده، ولعدم المواجهة المباشرة مع نظام الحكم القائم، إنتهج سياسة تهدف أول ما تهدف إليه  المهادنه  مع النظام وتجنب الإصطدام به، ودرء للشبهات عن نفسه، وكوسيلة للحد من مبدا الفصل بين السلطات، فقد تنازل مختاراً  – الإختيار بالإجبار – عن بعض الإختصاصات فى الرقابة على طائفة من اعمال الحكومة، فى محاولة منه للموائمة بين هذه الإختصاصات وبعض الأعمال التى تقوم بها الحكومة ، كسبا لثقه الحكومة ومحاولة  لإرضائها، وضمانا لبقائه رقيبا على سائر الأعمال الإدارية الأخرى.

ومن هنا نشأت فكـــرة أعمــال السيــاده بتنازل مجلس الدولة عن بعض اختصاصاته، وقد كان من أول تطبيقات هذه النظريه قضية لوفيتية فى عام 1822، وقد كان من الطبيعى أن تجد الحكومة لنفسها بذلك مخرجا قانونيا لكل ما لا ترغب فى أن يخضع لرقابة مجلس الدولة، وسوف نتناول كيفية إنتقال هذه النظرية الى مصر، وموقف الدستور المصرى منها:

أولاً: نشأة فكرة أعمال السيادة فى القانون المصرى

على الرغـم مـن أن هذه النظرية هى نظرية قضائية النشأة أرسى القضاء الفرنسى قواعدها ونظم أحكامها، إلا أنها انتقلت إلى مصر بصبغه تشريعية، حيث يرجع تاريخها إلى النص فى المادة 11 من لائحة ترتيب المحاكم المختلطة والمعدلة عام 1900، والمادة 15 من لائحة ترتيب المحاكم الأهلية والمعدلة عام 1937 بالمادة 43،  على أنه "ليس للمحاكم الاهلية أو "المختلطة" أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في اعمال السيادة"، والمشرع بذلك وضع قيدا موضوعيا على مباشرة المحاكم المختلطة والأهلية أنذاك على أعمالها.

وقد انتقلت هذه النظرية الى التشريعات اللاحقة فقد ورد النص عليها فى 17 من قانون السلطة القضائية رقم 46 لسنة 1972 بقولها " ليس للمحاكم أن تنظر بطريقة مباشرة أو غير مباشرة في أعمال السيادة ....الخ ".

كما ورد نفس الحكم فى المادة السابعة من قانون مجلس الدولة المصري رقم (9) لسنة 1949 بقولها ( لا تقبل الطلبات المقدمة عن القرارات المتعلقة بالأعمال المنظمة لعلاقة الحكومة بمجلس البرلمان وعن التدابير الخاصة بألامن الداخلي والخارجي للدولة وعن العلاقات السياسية والمسائل الخاصة بالأعمال الحربية وعلى العموم سائر الطلبات المتعلقة بعمل من أعمال السيادة(

كما كرر المشرع الحكم المتقدم فى قانون مجلس الدولة الحالى رقم 47 لسنة 1972 بنصه فى المادة 11 على أن "لا تختص محاكم مجلس الدولة بالنظر فى الطلبات المتعلقة بإعمال السيادة ".

ومما تجد ملاحظته أن المشرع فى قانون مجلس الدولة رقم 9لسنة 1949، قد أورد حالات معينه لأعمال السيادة، ثم فتح المجال لأى عمل بقوله وعلى العموم سائر الطلبات المتعلقة بعمل من اعمال السيادة، معتبرا الحصانة قائمة لأى عمل من اعمال السيادة، اما فى القانون الحالى فقد أخرج المشرع كافة اعمال السيادة من اختصاص المجلس ودون ذكر مثال واحد عليها.

وعلى الرغم من أن هذه النصوص قد وردت فى صلب هذه القوانين وأن المشرع فى مصر قد أسس للنظرية وأرسى لها قواعد تستند إليها السلطة التنفيذية حال رغبتها فى أن لا تخضع بعض قرارتها لرقابة القضاء، إلا أنه لم يعرف ماهية أعمال السيادة، تاركاً للقاضى  تحديد ما يعد من اعمال السيادة وما لايعد كذلك، وهو بذلك يتوسع فى مفهوم النظرية، وتركها للتطبيق دون قيد أو شرط، وهو وبلا شك مسلك خاطئ، يحتاج الى التصحيح والتصويب.

ثانياً : موقف الدستور المصرى من أعمال السيادة

من خلال الطرح المتقدم لكيفية نشأة أعمال السيادة فى مصر نستطيع وبحق أن نجزم، وبلا شك أمن مسلك المشرع فى القوانين السابقة على دساتير مصر لعام 1971 / 2014 بـــات لا يستقيم فى ظل النصوص الدستورية التى ترسى قواعد الدولة القانونية والتى تجعل من الدستور أساسًا للحكم فيها، ويرجع ذلك لتأكيد وتوكيد المشرع الدستورى المصرى فى أكثر من موضع على سيادة القانون:-

بالنسبة للدستور المصرى الصادر عام 1971:

1-        فقد جعل المشرع الدستورى المصرى فى دستور 1971 من مبدأ المشروعية أساسًا للحكم فى الدولة، حيث نصت المادة الثالثة من الدستور على أن "السيادة للشعب وحده، وهو مصدر السلطات، ويمارس الشعب هذه السيادة ويحميها، ويصون الوحدة الوطنية على الوجه المبين في الدستور".

كما نصت مواد الدستور من 64 الى 72 ، الوارده فى الباب الرابع وتحت عنوان "سيادة القانون" على مبدأ المشروعية، بقوله فى المادة 64 على ان " سيادة القانون أساس الحكم في الدولة"

2-        أن دستور عام 1971  قد حظر فى المادة 68 تحصين أى قرار أو عمل أو قرار  من رقابة القضاء،وذلك بقوله "التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة، ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي، وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا.ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء"

وهو ما يعنى أن لا مجال لإعمال أعمال السياده فى ظل وجود هذ النص الذى جعل السيادة حصرا وقصراً على الشعب وحده دون غيره لا يشاركه فى هذه السيادة أحد، ومن ثم فقد كان يجب على المشرع تعديل النصوص التى تحمل نصوصًا تخالف نصوص الدستور.

أما بالنسبة للدستور المصرى الصادر عام 2012:

1-        فقد أورد النص فى ديباجة الدستور على أن "سيادة القانون أساس حرية الفرد ومشروعية السلطة، وخضوع الدولة للقانون". بالإضافة الى نص المادة السادسة من الدستور والتى نصت على المبادئ التى يقوم عليها النظام السياسي ومنها مبدأ سيادة القانون، والمادة 74 والتى نصت على أن " سيادة القانون أساس الحكم فى الدولة" وهو ما يتضح منه ان دستور 1971 قد أولى سيادة القانون عناية خاصة، فاقت تلك الواردة فى دستور 2012.

بالنسبة للدستور المصرى الصادر عام 2014

1-        فقد عاد للتأكيد بقوة على سيادة القانون حيث نصت المادة الاولى على أن " جمهورية مصر العربية دولة ذات سيادة، موحدة لا تقبل التجزئة، ولا ينزل عن شىء منها، نظامها جمهورى ديمقراطى، يقوم على أساس المواطنة وسيادة القانون".

والمادة 94 والتى نصت على أن " سيادة القانون أساس الحكم في الدولة.وتخضع الدولة للقانون، واستقلال القضاء، وحصانته، وحيدته، ضمانات أساسية لحماية الحقوق والحريات".

2-        كما حظرت المادة 97 من الدستور كذلك تحصين أى عمل أو قرار ادارى من رقابة القضاء، وذلك بقولها"التقاضى حق مصون ومكفول للكافة. وتلتزم الدولة بتقريب جهات التقاضى، و تعمل على سرعة الفصل في القضايا، ويحظر تحصين أى عمل أو قرار إدارى من رقابة القضاء، ولا يحاكم شخص إلا أمام قاضيه الطبيعى، والمحاكم الاستثنائية محظورة".

وهو ما يمكن الجزم من خلالة أنه لا مجال فى ظل هذه النصوص الدستورية إلى الإبقاء على النصوص الواردة فى القوانين المصرية والتى تتضمن من النصوص ما يعد خروجا على مبدأ المشروعية، والقول بغير ذلك يهدر فكرة الدولة القانونية، حيث يعتبر مبدا سيادة القانون وخضوع الدولة للقانون مبدأ عامًا قصد به حماية حقوق الأفراد، وتقييد سلطة الإدارة بالقوانين واللوائح المعمول بها.

وسائل التواصل مع الكاتب

https://www.facebook.com/Osama.Shams.AlDeen

[email protected]

مقالات سابقة لنفس الكاتب

الارهاب أقدم ظاهرة فى التاريخ http://masrelbalad.com/index.php/home/single_artical/39534

مبدأ الفصل بين السلطات فى الدستور المصرى http://masrelbalad.com/index.php/home/single_artical/39899

 

 

 Tweets by masrelbalad