logo

مبدأ الفصل بين السلطات فى الدستور المصرى

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-04-07 18:55:19

بقلم

د. اسامة محمد شمس الدين

الكاتب والباحث القانونى

يخطئ من يظن أن مبدأ الفصل بين السلطات من المبادئ الحديثة التى قررها جون لوك  ومونتسكيو فى العصر الحديث، حيث يرجع تاريخ المبدأ  الى ما قبل القرن الثامن عشر ، حيث كان الفكر السياسي الأغريقي، ممثلا فى أفلاطون وأرسطو ، دورا هاما ومشهوداً فى وضع أساس هذا المبدأ .

فقد كان   أفلاطون (447 – 347  ق. م ) ، يرى أن وظائف الدولة يجب أن توزع على هيئات مختلفة وذلك لإقامة التوازن بين السلطات، كى لا تنفرد سلطة دون الأخرى بالحكم، بما قد يؤدى الى الإضطربات والثورات والتمرد.

أما ارسطوعام فقد قسم وظائف الدولة فى عام  (384 - 322 ق.م)  ) الي ثلاث وظائف، وهم وظيفة المداولة ، وظيفة الأمر ، وظيفة العدالة ، شريطة  أن تتولي كل وظيفة منها هيئة مستقلة عن الهيئات الاخري مع قيام التعاون بينها جميعا لتحقيق الصالح العام ، بحيث لاتتركز هذه الوظائف في يد هيئة واحده.

وقد كان للفقية جون لوك  الفضل فى إعادة إبراز هذا المبدأ فى مؤلفه – الحكومة المدنية فى عام  1690 -  حيث قسم سلطات  الدولة الي ثلاث ، السلطة التشريعية ، السلطة التنفيذية ، السلطة الاتحادية .

إلا  أن المبدأ لم يأخذ الأهمية الكبيرة التي نالها ، ولم يتضح مضمونه وتتبلور معالمه وحدوده إلا بعد أن نشر مونتسكيو مؤلفة الشهــــير، روح الــقوانين فى عام 1748، حيث كان يرى أن كل شخص يتمتع بسلطة يسئ إستعمالها يتمادي في هذه الاساءة حتي يجد من يوقفه عند حده، وللوصول الي عدم إساءة استعمال السلطة (( يجب أن يقوم النظام علي أن السلطة توقف السلطة).

ويعتبر مبدأ الفصل بين السلطات حجر الزاويه في أي نظام ديمقراطي، فقد ساعد علي ظهور العديد من الاتجاهات والمبادئ الديمقراطية التي تهدف الي ضمان الحريات الأساسية للإنسان، ومقاومة الظلم والاستبداد .

وعلى الرغم مما لمبدأ الفصل بين السلطات من أهمية إلا أننا نجد أن الدستور المصرى  الصادر  عام 1971، لم ينص عليه صراحة  مكتفيا فى ذلك بعبارة " رعاية الحدود بين السلطات"، حيث نص المشرع فى المادة 73 من الدستور على أن ((رئيس الدولة هو رئيس الجمهورية يسهر علي تأكيد سيادة الشعب، وعلي إحترام الدستور وسيادة القانون،وحماية الوحدة الوطنية، والمكاسب الإشتراكية، وانه يرعي الحدود بين السلطات لضمان تأدية دورها في العمل الوطني)) .

وفى الحقيقة فإن حكم المادة المذكورة لا يعدو أن يكون ترديداً  لأحكام الدستور ذاته، فرئيس الجمهورية لا يمكن له ان يتولى مهام منصبة الا من خلال القسم الذى يؤديه والذى يتضمن تعهداته الدستورية والقانونية والتى من بينها، احترام الدستور والقانون، ورعاية مصالح الشعب ، ومن ثم تدخل رعاية الحدود بين السلطات ضمن تعهدات رئيس الجمهورية الواردة فى المادة 79 من الدستور  .

وقد كان  رئيس الجمهوية فى ظل دستور 1971 يجمع بين منصبه ورئاسة حزب الاغلبية البرلمانية، كما انه على رأس السلطة التنفيذية بطبيعة الحال،  مما يضعف من قدرته فى رعاية الحدود الفاصلة بين السلطات، مما كان يحيط الدور المنوط به برعاية الحدود بين السلطات بهالة من الشك والريبة، إذ هو فى الحقيقة لا يرعى الحدود بين السلطات، ولكنه يجمع بين السلطات.

وهذا مما يتنافي مع ما  من أجله ولد مبدأ الفصل بين السلطات، حيث أن المقصود بالمبدأ  تجنب تركيز السلطة بجهة واحدة ضمانا لعدم طغيان السلطات على بعضها البعض أو إنفراد سلطة دون أخرى بمقاليد الأمور، وضماناً للسير العادل لمصالح الدولة، فتركيز السلطة في يد هيئة واحدة من شأنه أن يؤدي الي التعسف في إستعمالها.

أما دستور 2012، فقد تميز عن دستور 1971 بالنص صراحة على مبدأ الفصل بين السلطات فى المادة السادسة بقوله ((يقوم النظام السياسي علي مبادئ الديمقراطية والشوري والمواطنه التي تسوي بين جميع المواطنين في الحقوق والحريات العامة، والتعددية السياسية الحزبية، والتداول السلمي للسلطة، والفصل بين السلطات ، والتوازن بينهما وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وحرياته وذلك كلة علي النحو المبين في الدستور ...)) .

وعلى الرغم من أن المشرع الدستورى يقيم بذلك نظاماً ديمقراطيا يقوم على أساس الفصل التام بين السلطات،  إلا أنه قد اهدر هذا المبدأبالنص في الماده 132 والتى تنص علي أن (رئيس الجمهورية هو رئيس الدولة،ورئيس السلطة التنفيذية ، يرعي مصالح الشعب ، ويحافظ علي استقلال الوطن وسلامة أراضيه ،ويرعي الحدود بين السلطات ويباشر اختصاصه علي النحو المبين في الدستور )).

فقد كرر المشرع الدستورى نفس الخطأ الذى ورد النص عليه فى دستور 1971 بعبارة أن " رئيس الجمهورية يرعى الحدود بين السلطات، ويرجع السبب فى وصفنا هذا النص بالخطأ إلى تضخم إختصاصات رئيس الجمهورية في جميع المجالات السياسية والتتشريعية والتنفيذية بصورة تضاءلات معها قدرة المؤسسسات علي العمل الخلاق والمؤثر في اطار النظام السياسي .

أما دستور عام 2014 فقد جا متميزاًعن دستورى 1971/2012 حيث نص علي مبدا الفصل بين السلطات في المادة الخامسة من بقوله ((يقوم النظام السياسي علي أساس التعددية  السياسية الحزبيه، والتداول السلمي للسلطه والفصل بين السلطات، والتوازن بينهما، وتلازم المسئولية مع السلطه، واحترام حقوق الإنسان وحرياته علي الوجه المبين في الدستور )) .

ويرجع مظهر هذا التميز فى أنه لم ينص على أى  دور لرئيس الجمهورية في إحداث التوازن بين السلطات  مما يجعل مبدأ الفصل بين السلطات أكثر فاعلية كأحد ركائز الدولة الديمقراطية.

وفى النهاية فإن مسألة الفصل الجامد بين السلطات ليست هى المقصد من وجود المبدأ، وإنما المقصود هو الفصل المتوازن القائم على التعاون والتوافق والإنسجام ، والرقابة المتبادلة، التى تضمن وقوف كل سلطة عند حدودها، دون أن تتجاوز أو تعتدى على إحدى السلطات الأخرى، وهو ما يترتب عليه نتائج هامه منها ، ضمان صيانة الحرية ومنع الاستبداد ، تحقيق الدولة القانونية ، بمعناها الصحيح والدقيق، جني فوائد تقسيم وظائف الدولة ، مما يجعل كل سلطة تتقن عملها فى اطار تخصصها.

 

وسائل التواصل مع الكاتب

https://www.facebook.com/Osama.Shams.AlDeen

osama.shams10@gmail.com

مقالات سابقة لنفس الكاتب

الارهاب أقدم ظاهرة فى التاريخ

http://masrelbalad.com/index.php/home/single_artical/39534

 

 Tweets by masrelbalad