logo

الإرهاب أقدم ظاهرة فى التاريـــخ

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-03-28 15:47:17

بقلــــم

الكاتب والباحث القانونى

د. اسامة محمد شمس الدين

مرت المسيرة البشرية منذ نشأة الخليقة بظواهر عديدة منها ما انتهى بالقضاء عليها، ومنها ما هو باق إلى يومنا هذا، ويعد الإرهاب من أقدم هذه الظواهر، حيث يرجع البعض هذه الظاهرة، الى أول جريمة قتل حدثت فى التاريخ، حينما قتل قابيل أخاه هابيل.

والإرهاب جريمة من أشنع وأبشع الجرائم واكثرها وحشية وقسوة، لأنه يقوم فى الأصل على تدمير الممتلكات العامة والخاصة وترويع الآمنين وتقويض المكتسبات الحضارية، فالإرهابى لا يقدر حقوق الإنسان ولا يأبه بالقيم التى حضت عليها الأديان السماوية ولا سيما الشريعة الإسلامية السمحاء التى تقوم على التسامح ونبذ العنف.

ولقد كان للإرهاب - ولا زال - دورا مشهوداً فى كل أنواع الصراع بين الأفكار والإرادات، والمجموعات العرقية، ولقد عرف العالم الإرهاب قى صوره المختلفة منذ أقدم العصور فتحدثت البرديات المصرية القديمة عن الصراع الدموى بين الكهنة وصور الذعر والقسوة التى سادات بينهم كما جرمت قوانين اليونان والرومان الإرهاب والجرائم السياسية المعادية للأمم.

وقد ظهر الإرهاب نتيجة العنف المتأصل منذ القدم، لأن رغبة الإنسان فى السيطرة والتحكم تندرج ضمن إطار سلوكة الإنسانى نحو الخير والشر .

وكنتيجة لرغبة الإنسان فى السيطرة نشأت الجريمة واستخدمت الأجيال اللاحقة القتل كوسيلة للحصول على مبتغاها وطور الإنسان وسائلها, وابتكر أدواتها من أجل تحقيق مأربه.

وتعد ظاهرة الارهاب من الظواهر القديمة في التاريخ فكما ان الانسان عرف المقاومة وكانت الحياة بالنسبة له ضرب من ضروب المقاومة فقد عرفت المجتمعات البشرية الارهاب بمختلف اشكاله ومظاهره، الجريمة والعنف وخلق حالة من الرعب في الحياة اعتماداً على مبدأ القهر والظلم واليأس والبؤس وبالرغم من أن جوهر الارهاب واحداً لكنه يختلف من زمن لاخر فالقديم ليس كالجديد لاختلاف اشكاله وادواته والاهداف والتقنية في التنفيذ وقد مر الإرهاب بمراحل ثلاث:

المرحلة الأولى : إرهــــــــاب العصور الوسطـــــــى:

كانت حياة المصريين تمتاز بالصراع الدائم بين الكهان وأفراد المجتمع فى العهد الفرعونى، ويمكن القول ان عهد الجمهوريات اليونانية والرومانية هو بداية لبروز الظاهرة الارهابية التكفيرية ففي عهد اثينا القديمة كانت محاورات الفلاسفة تتجاوز حدود المناقشات الى افعال الخوف والفزع.

وفي عصر الرومان كانت الجريمة السياسية مرادفة للإرهاب فلم يفرقوا بين الخطر الموجه داخلياً والخطر الموجه خارجياً، الى ان فرّق بينهما في عهد الجمهورية الرومانية فسموا كل عمل يمس الملك بإنه إرهاب, وسموا كل فعل يضر بالمجتمع والأمة الرومانية بالجريمة السياسية .

والإرهاب قد يقع من الدولة ذاتها فالأشوريون استخدمو الإرهاب ضد اعدائهم البرابرة فى القرن السابع عشر قبل الميلاد، وكان من أعنف هذه الأفعال القتل دون تمييز بين الرجال والنساء والأطفال والشيوخ فى المدن التى يستولون عليها ناهيك عن عملية الأسر لأهالى هذا المدن واخذهم كخدم وعبيد . 

وأول من استخدم لفظ الإرهاب هو الملك رمسيس الثالث، عام 1198 قبل الميلاد على إثر تدبير مؤامرة لمحاولة قتله،حيث اطلق عليها جريمة المرهبين.

ويؤرخ البعض لإعتبار حركة السيكاري اول حركة ارهابية في التاريخ، وقد كانت تتكون هذه الحركة من مجموعة من اليهود الذين وفدوا الى فلسطين في نهاية القرن الاول الميلادي، حيث كانوا يقتلون الناس فى وضح النهار وفى الأسواق والأماكن المزدحمة مستخدمين سيوف يطلق عليها سيكا .

وقد كانت اساليب عمل هذه الحركة تعتمد على بث الرعب بين صفوف الناس من خلال القيام بتنفيذ عمليات في المناطق المزدحمة حيث كانوا يضربون عدوهم بسيوف اطلق عليها "سيكا" ومن هنا اطلق عليها حركة السيكارى نسبه الى السلاح المستخدم فى القتل وكانت عبارة عن سيف صغير مخبأ تحت  العباءة لتنفيذ العمل في وضح النهار وفي الاحتفالات العامة.

وقد اختلف المؤرخون فى الأساس الذى كانت تستند اليه هذه الحركة فى أفعالها فيرى البعض انها حركة ثورية تترأسها مجموعة دينية يهودية متطرفة. وأنهم كانوا يعتقدون عدة مبادئ منها، أن الله  وحده هو الحاكم، وانه لا ولاء لأية سلطة دنيوية، وان الكهنة والحاخامات مرفوضة  لأنه لا وساطة بين الله والإنسان.

 بينما ترى بعض الدراسات أن هذه الطائفة عبارة عن حركة اجتماعية ثورية، تهدف الى حض الفقراء على الثورة ضد الأغنياء، بينما يوجد رآى أخر شكك بأنها حركة أيدلوجية، واعتبرها مجرد عصابة من اللصوص خرجوا من أجل الحصول على مكاسب شخصية تدفعهم قوة خارجية وأن مطالبهم الوطنية وحملهم راية الحرية عباءة أيدلوجية يتسترون خلفها .

 المرحلة الثانية: إرهاب العصور الوسطى

 بظهور الإسلام  ظهرت ثورة تغيير كبرى وبدأ  الصراع الفكرى بين طائفتين الأولى تدعوا الى الايمان بالله والثانية تدعوا الى منع انتشار الدين الإسلامى بكل الوسائل الممكنة، حيث تعتبر حوادث قتل الخلفاء الراشدين إذا ما أنزلنا حوادث اليوم منزلة قتلهم لأكتشفنا ان ما تعرض له الخليفة الراشد عمر بن الخطاب هو عمل إرهابى، الدافع اليه الوازع نحو محاربة الدين الإسلامى بهدف بث الرعب في قلوب المسلمين.

وفي القرن الحادي عشر ظهر في الشرق الاوسط جماعة الحشاشين الدينية واصولها تمتد الى الاسماعيلية – وقد اتخذ زعيمها حسن الصباح من قلعة الموت مقرا له فى ايران .

 وقد فرضت هذه الجماعة ارائها باستخدام الارهاب لاحكام المنطقة فلجئوا الى الارهاب، فاغتالوا ملك القدس الصليبي (كونسرادي موتغير) وكان لهذه الحركة دور كبير في ابتكار اسلوب الاغتيال السياسي الذي اصبح بديلاً عن الدخول في حروب نظامية تقليدية، كما ظهرت جماعة الخناقين وهي جماعة دينية سياسية اعتمدت العمليات الارهابية سبيلاً لتحقيق اهدافها ومنها لجوء اعضائها الى خنق المعارضين باشرطة حريرية .

 وبحلول القرن السادس عشر اخذت عصابات تمارس الارهاب في اعالي البحار من خلال أعمال القرصنة التي تقوم على اعتقال ونهب السفن التجارية لارغام السلطات على تلبية مطالب سياسية او للحصول على الاموال، كما ظهر مرتزقة القرامطة التي اشتهرت بالعنف والارهاب وهي حركة اتسمت باستخدام العنف ضد المجتمع كالقتل والهدم والتخريب وعرفت اوربا في القرون الوسطى عصابات الارهاب التي كان يستخدمه النبلاء للاخلال بالامن في ربوع اقطاعيات خصومهم اضافة الى توارث العبيد التي كان يفرون من مقاطعات الاسياد ويشكلون جماعات وعصابات للانتقام منهم فضلاً عن ممارسة اعمال القتل والسرقة في املاكهم.

ثالثا: الارهاب في العصر الحديث:

وقد استخدم لفظ الارهاب فى العصر الحديث أول ما استخدم إبان الثورة الفرنسية فى عام 1789م. عند سقوط الملك لويس السادس عشر والقضاء على النظام الإقطاعي، حيث لجأ أفراد الثورة الى الوسائل الإرهابية من أجل تحقيق أهداف الثورة والحفاظ عليها، حيث ورد فى كتاب تاريخ الثورة الفرنسية ما نصه "لم يتحرك الارهاب الذى تنظم فى أيلول 1793حقيقة الا فى تشرين الأول تحت ضغط الحركة الشعبية ..... واستكملت حملة هيبير الارهابية طيلة الخريف ...الخ ".

و فى بداية القرن التاسع عشر كانت الولايات المتحدة الأمريكية ومعظم دول أوربا بيئة خصبة وملائمة للأنشطة الإرهابية، فقد ظهرت حركات التحرر، وهى حركات عنصرية هدفها إرهاب الزنوج والملونين ومن أبرز هذه المنظمات منظمة " كوكلاس كلان" والتى أنشأها المزارعون عام1856  ، وكان هدفها ارهاب الزنوج على اساس التمييز العنصري وقد كان قانون هذه المنظمة هو الشنق على الاشجار .

وفى العصر الحديث ظهرت ايدولوجيتان – ويطلق عليها البعض مصطلح منظمتان -  كانتا قد بحثتاً بالعديد من العمليات الارهابية في العديد من الدول الاوربية وهما الحركة الفوضوية  والحركة العدمية وهما وجهان لعملة واحدة حيث انهما ترفضان السلطة وتكرهان الدين.

وقد ظهرت الحركة الفوضوية  فى العقدين الأخيرين من القرن التاسع عشر، وترجع افكار هذه الحركة الى ماكس سنيرنز (1809 -1956) وأفكار بيا وجوزيف بردون الفرنسى ( 1806- 1865م )، وباكونين الروسى، وتقوم هذه الحركة على أساس الحرية المطلقة واستخدمت القوة من اجل احداث تغير المجتمع، وتؤمن بالإرهاب كوسيلة لهدم المجتمعات ونظام الحكم والأديان .

وتعود الحركة العدمية فى أصلها إلى الحركة الفوضوية وإلى التيارات الإشتراكية الثورية، وهى تعنى تحررا ذاتيا يقوم به الفرد تجاه ما يحيط به ويحد من حريته سواء كانت الأعراف أوالتقاليد الموروثة، او النظام السياسى القائم،وقد وجدت هذه الأفكار من أمثال الروسى" الكسندر سيرنو سوفينج" حيث كتب قائلا "القوة لا يمكن أن تستسلم إلا للقوة" وهو يعنى ان يجابه عنف الحكومة بعنف الشعب.

 ومع تصاعد البطش الذي جابهته هذه الحركة فقد ظهرت سمعتها السياسية والفكرية لمجموعة من المغامرات قامت فيها باوربا وروسيا القيصرية ما جعل الجماهير تخاف منها على الرغم من دعواها الى تخليص الجماهير من القهر والسلطة، وقد ارتبط الارهاب بالفوضوية بشكل مباشراً على اثر انتقال الحركة من العمل الدعائي الى العمل الثوري العنيف كوسيلة لتحقيق الاهداف.

 اما الحركة العدمية فهى صفة اقترنت بالفوضويين الروس ومن ابرز المنظمات التي ظهرت تطبيقاً لهذة الحركة هي منظمة (الارض والحرية) في عام (1876م) ، ومنظمة الارادة الشعبية (1879م) وكلتاهما نشأ فى روسيا،حيث حاولت هاتان المنظمتان الثوريتان كما يطلق عليهما تغيير الأوضاع وقلب نظام الحكم السياسي فى روسيا القيصرية عن طريق الإغتيالات السياسية للتخلص من الطغيان ومجابهة العنف الحكومى بالعنف الشعبي .

 من ابرز اعمال هذه الحركة اغتيال قيصر روســـــــــــيا  عام (1881م)، ذلك الاغتيال الذي كان له الاثر في ان تتضمن العديد من المعاهدات الدولية شروطاً واضحة تبتعد اعمال الفوضويين والعدميين من حق التمتع باللجوء السياسي .

وفى الحقيقة فإنه من الخطأ الربط بين الإرهاب ومنظمة معينة أو بلد معين، أودين معين، ومن يظن أن الإرهاب ولد يوم الحادي عشر من سبتمبر ٢٠٠١ م، فالإرهاب وجد منذ أن وجدت الدولة بشكلها المعروف، منذ  نشأة أول مجتمع بشري قرر أفراده أن يعيشوا على إقليم واحد، وأن تحكمهم سلطة واحدة ذات سيادة، من هنا بدأ الإرهاب في الظهور حيث عمدت مجموعة من الأفراد إلى القيام بأعمال من شأنها ترويع وترهيب المجتمع البشري؛ وذلك لإجبارهم ودفعهم إلى تقديم تنازلات أو مطالب لمصلحة مجموعة من الأفراد.

وفى النهاية نود أن نؤكد على ان: إن الإرهاب هو ثقافة وفكر لدى جماعة أو قطاع من البشر يؤمنون بأنه لا سبيل للوصول إلى أهدافهم إلا من خلال سلوك طريق العنف والترويع، فالإرهاب الحديث ليس إرهاب القتل فقط وإنما هو إرهاب فكر، إنه محاولة لإيجاد قواسم مشتركة بين الأفكار الهدامه، محاولة هدم الدول، فكم من كتب تحمل فى طياتها و وعائها الأفكار الهدامه، يخطئ من يظن أن الإرهاب يمكن إيقافه وقمعة ونحرة والقضاء عليه من خلال الحرب أوالقتل، فلكى نقضى على الإرهاب لأبد لنا من البحث عن أسبابه ومنابعه وهو ما سيكون لنا معه وقفه.

 

وسائل التواصل مع الكاتب

https://www.facebook.com/Osama.Shams.AlDeen

[email protected]

 

 Tweets by masrelbalad