logo

الأدب من أجل رفاهية الحياة

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-02-03 19:48:38

 

بقلم

 الكاتب والباحث في التنمية البشرية

 شدري معمر علي

 

الأدب هذه اللعبة الخالدة ،يستمتع بها الأديب كطفل صغير ،سرعان ما تهرب منه فيبحث عنها فيجد نفسه في هوة سحيقة لا مخرج منها ،إنها لعبة نارية حارقة وخارقة في نفس الوقت ،فيها متعة الحضور وعذاب الغياب ،شيء ما في أعماق الكاتب يدفعه نحو البحث عن الخلود والمجد الأدبي وبريق الشهرة وتحت وطأة ألم اليأس والضياع يكتشف الحقيقة المرة ،أنه كان يطارد السراب ،يتأمل في مسار العمر ويفتح دفتر السنين الراحلات فإذا بالأحرف تتساقط وتتطاير مترنحة بخمر الفقد والمضاء ،آه أيها الكاتب ها أنت تتجاوز الأربعين لا سكن يأويك ولا زوجة تؤنسك في الليالي المدلهمة ولا مال يسند ظهرك المقوس ،كل ما كسبته أنفقته على الكتب والجرائد .

وتتساءل في قرارة نفسك :هل حرفة الأدب ،حرفة المعدمين ؟

أليس من حق الأديب أن يستمتع بالحياة   ويزور العالم ويقيم بالفنادق الفخمة  ؟

فكثير من عظماء الأدب والفن ،كان الفقر رفيقهم وقد كتب عن هذا الكاتب " فتحي خليل" في كتابه القيم "لعبة الأدب " قال :(حين أتأمل حياة أديب مثل أرسكين كالدويل وقصة حياته ،لا أستطيع أن أفسر تعلقه بآلته الكاتبة من الصبا إلى الكهولة ،تحت ظروف أغلبها شاق إلا أنه كان يجد متعة آسرة في هذه الصحبة مع اللعبة التي تنتج أدبا وكذلك لا يمكن تفسير حياة بلزاك الشاقة في مقتبل العمر جريا وراء العبارة الموحية ولا حياة فان جوخ العاصفة حتى الموت جريا وراء الخط المؤثر إلا بأنهما كانا مقيدين إلى لعبة ساحرة و إن كانت خطرة ويرفضان تركها إلى حياة هادئة ).

وقد درس هذه الظاهرة أيضا عميد الأدب العربي "طه حسين "في كتابه "خصام ونقد " فقال:

(والأدباء الذين تعرضوا للفقر والبؤس والحرمان لا لشيء إلا أنهم أحبوا الأدب وكلفوا به ووقفوا حياتهم عليه أكثر من أن يبلغهم الإحصاء ،وهم ليسوا مقصورين على أمة بعينها ولا على جيل دون جيل ومازال في كثير من أقطار الأرض أدباء يسعدون بأدبهم فيما بينهم وبين أنفسهم ويشقون بأدبهم فيما بينهم وبين الناس ويتعرضون بأدبهم لصروف كثيرة فمنهم من يتعرض للحرمان أو ما يشبه الحرمان ومنهم من يتعرض لغضب السلطان سواء أكان هذا السلطان فردا مستأثرا بالحكم أو برلمانا يدير أمره على الشورى ويقيم حياة شعبه على الحرية والديمقراطية ).

فالذين ساروا في طريق الفقر المدقع هؤلاء الذين كان شعارهم "الحياة من أجل الأدب " ضحوا بأوقاتهم و صحتهم و أموالهم من أجل الأدب والتفرغ للكتابة وعدم البحث عن المال أو السكن المريح و أنا في نظري ككاتب وباحث في التنمية البشرية ،هذا قرار خاطئ يدل على عدم فهم معادلة الحياة السعيدة التي يسميها علماء التنمية البشرية بعجلة الحياة التي ينبغي أن تكون متوازنة بين  سبعة جوانب :الجانب المادي والروحي والمهني والأسري والاجتماعي والعقلي والصحي فأي تقصير من جانب من جوانب هذه العجلة لا تسير عربة الحياة .

فليكن شعار الأديب الواعي ،الذي خبر الحياة " الأدب من أجل الحياة " .

أكتب قصصا وروايات ومقالات و أبحث عن حقوقي المادية و أستثمر مواهبي في مشاريع ثقافية تدر علي مالا ،فأطور نفسي ،أسافر و أحضر ملتقيات دولية و أدخل معاهد في الدول الغربية لأتعلم و أتقن اللغات وهذا بمالي الخاص ،أستمتع بالكتابة فالكتابة هي الحياة والجمال والتواصل والقدرة على التأثير على الآخرين فأنا أملك سلاحا لا يملكه وزير ولا رئيس ولا قائد أملك قلما أغير به مجرى التاريخ ،يذهب رجل الأعمال ورجل السياسة ويبقى ما كتبته قرونا وقرونا .

وكثير من كتاب العالم يعيشون في بحبوحة ،يبيعون الملايين من كتبهم ،باولو كوهيلو وجيكي رولينغ وياسمينة خضرة وبوعلام صنصال وواسيني الأعرج ورشيد بوجدرة و أحلام مستغانمي .

يحكي الأديب مصطفى السباعي في كتابه "القلائد من فرائد الفوائد " :في أيام الدولة الغزنوية ،كانوا يعطون جائزة يسمونها "جائزة تعب الأسنان " وهو مبلغ مالي مكافأة له على ما تجشمت أسنانه من المشقة أثناء الأكل في الوليمة أو المأدبة .

!فما أحوج الكتاب في عصرنا الحالي إلى جائزة " تعب الأقلام "  . 

[email protected]

 Tweets by masrelbalad