logo

نــقــل الـــزكــاة

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-01-10 23:19:31

بقلم:

د/بشير عبد الله

عضوالمكتب الفنى بقطاع المعاهد الازهرية

 

من المسائل التي تحتاج إلى بيان حكم الشرع فيها مسألة نقل الزكاة  ولبيان الفتوى في ذلك أبين أولاً تعريف الزكاة في اللغة وفي الفقه الإسلامي ، ثم أبين بعد ذلك حكم نقل الزكاة .

أولاً : تعريف الزكاة لغة :

زكاةُ المال هو تطهيره والفعل منه زكَّى يُزَكِّى تزكيةً إذا أدى عن ماله زكاته .

والزكاة : ما أخرجته من مالك لتطهره به ، وقوله تعالى: ( وتُزَكِيهمْ بِهَا ) قالوا : تطهرهم

ثانياً : تعريف الزكاة في الفقه الإسلامي :

عرف الفقهاء الزكاة بتعاريف متعددة إلا أنها متقاربة وهي على النحو الآتي :

أولاً : تعريف الحنفية للزكاة :

عرف فقهاء الحنفية الزكاة : بأنها عبارة عن إيجاب طائفة من المال في مال مخصوص لمالك مخصوص .

ثانياً : تعريف المالكية :

عرف فقهاء المالكية الزكاة : بأنها إخراج جزء مخصوص من مال مخصوص بلغ نصاباً لمستحقه إن تم الملك وحول غير معدن وحرث .

ثالثاً : تعريف الشافعية :

عرف فقهاء الشافعية الزكاة بأنها : اسم لقدر من المال مخصوص يصرف لأصناف مخصوصة بشرائط .

رابعاً : تعريف الحنابلة :

عرف فقهاء الحنابلة الزكاة بأنها : حق واجب في مال خاص لطائفة مخصوصة في وقت مخصوص .

ونخلص من هذه التعاريف إلى أن الزكاة هي : اسم لقدر مخصوص ، من مال مخصوص ، يجب إخراجه لأصناف مخصوصة من الناس ، بشروط خاصة .

 فهي اسم لما يخرجه الإنسان من أموال للمستحقين .

ثالثاً : حكم نقل الزكاة لبلد آخر سوى بلد المزكي :

الأصل في أموال الزكاة أن تصرف في بلد الوجوب والمستحب تفرقتها في بلد جمعها ، ثم الأقرب فالأقرب من القرى والبلدان ، ولكن هل يجوز نقل الزكاة لبلد آخر سوى بلد المزكي ؟

للفقهاء هنا أقوال ، أسوقها على النحو الآتي :

أولاً : رأى المالكية :

ذهب المالكية إلى عدم جواز نقل الزكاة من موضع وجوبها إلا لضرورة شديدة ، جاء في الشرح الكبير : ووجب تفرقتها على الفور بموضع الوجوب وهو الموضع الذي جبيت منه في حرث وماشية إن وجد به مستحق وفي النقد ومنه عرض التجارة موضع المالك ، أو قربه وهو ما

دون مسافة القصر سواء وجد في موضع الوجوب مستحق أو لا ، كان المستحق فيه أعدم أو لا ؛ لأنه في حكم موضع الوجوب ، وأما ما تقصر فيه الصلاة فلا تنقل إليه .

الأدلة على ذلك :

دل على ذلك ما أخرجه البخاري عن ابن عباس – رضي الله تعالى عنهما - : أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث معاذاً رضي الله تعالى عنه – إلى اليمن فقال :        { ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله ، فإن هم أطاعوا لذلك ، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لذلك فأعلمهم أن الله – تعالى – افترض عليهم صدقة في أموالهم ، تؤخذ من أغنيائهم ، وترد على فقرائهم }  ففيه دلالة على اختصاص أهل كل بلد بزكاة بلده .

ومن الأحاديث أيضاً ما أخرجه الترمذي عن عون بن أبى جُحَيْفَةَ عن أبيه قال : قَدِم علينا مُصَدِّقُ النبي صلى الله عليه وسلم ، فأخذ الصدقة من أغنيائنا فجعلها في فقرائنا ، وكنت غلاماً يتيماً فأعطاني منها قَلُوصاً  – ناقة صغيرة –

ففي هذا الحديث دلالة على أن زكاة كل بلد تنفق وتصرف في محلها إلا إذا ترتب على نقلها مصلحة للمسلمين ، قال ابن القاسم : وإن نقل بعضها لضرورة رأيته صواباً ، وقال سحنون : ولو بلغ الإمام أن ببعض البلاد حاجة شديدة جاز له نقل بعض الصدقة المستحقة لغيره إليه ؛ فإن الحاجة   

إذا نزلت وجب تقديمها على مَن ليس بمحتاج  ، جاء في حاشية الدسوقي : إلا أن تنقل لأعدم فأكثرها ينقل له وجوباً ، مستدلين بحديث النبي صلى الله عليه وسلم :{ المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته ، ومن فَرَّج عن مسلم كربة فَرَّج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة }

 ومن هنا يتبين لنا أن فقهاء المالكية منعوا النقل إلا لمصلحة تعود على المسلمين وعندها يجوز نقل أكثر الزكاة لا كل الزكاة .

القول الثاني : قول الشافعية :

 أنه يجوز نقل الزكاة من بلد المزكي إلى أي بلد أخر مستدلين بالآتي :

أولاً : قوله تعالى ((إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ))

فالآية عامة وليست مقيدة بمكان معين فلم يفصل بين فقير بلد وفقير بلد آخر .

ثانياً : من السنة المشرفة :

ما أخرجه البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن : { إنك ستأتي قوماً أهل كتاب ، فإذا جئتهم فادعهم إلى أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة فإن هم أطاعوا لك بذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم ، فإن هم أطاعوا لك بذلك ، فإياك وكرائم أموالهم ، واتق دعوة المظلوم ؛ فإنه ليس بينه وبين الله حجاب }

قال النووي رحمه الله تعالى : الظاهر أن الضمير في قولهم ( فترد على فقرائهم ) محتمل لفقراء المسلمين ولفقراء تلك البلدة ولفقراء تلك                      الناحية .

 قال ابن دقيق العيد : يقوي ذلك أن أعيان الأشخاص المخاطبين في قواعد الشرع الكلية لا تعتبر ، فلا تعتبر في الزكاة كما لا تعتبر في الصلاة ، فلا يختص بها الحكم وإن اختص بها خطاب المواجهة

القول الثالث : قول الحنفية :

قال الحنفية بكراهة نقلها – أي الزكاة إلى بلد آخر ؛ لأن لفقراء بلده حكم القرب والجوار ، وقد اطلعوا على أموالهم وتعلقت بها أطماعهم فكان

الصرف إليهم أولى ، قال في الهداية : ويكره نقل الزكاة من بلد إلى بلد ، وإنما تفرق صدقة كل فريق فيهم ، واستدلوا بحديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه المتقدم وقالوا : فيه رعاية حق الجوار ، ولكنهم استثنوا من ذلك القرابة أو الحاجة ، وذلك لما في القرابة من صلة الرحم مع سقوط الفرض ، أما أهل الحاجة فلما ورد أن سيدنا معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه كان ينقل الصدقة من اليمن إلى المدينة ؛ لأن فقراء المدينة أحوج وأشرف ، جاء في الهداية : إلا أن ينقلها الإنسان إلى قرابته أو إلى قوم هم أحوج من أهل بلده ، لما فيه من الصلة أو زيادة دفع الحاجة .

القول الرابع : قول الحنابلة :

أجاز الحنابلة نقل الزكاة إلى ما دون مسافة قصر الصلاة من بلد المال ؛ لأنهم في حكم بلد واحدة ومنعوا جواز نقلها إلى ما تقصر فيه الصلاة ، وإن فعل المزكي ذلك أجزأته مع الإثم إلا أن يكون المال في بلد أو مكان لا فقراء فيه ، فإن كان الحال كذلك فرقها في أقرب البلاد إليه ؛ لأنهم         أولى ، واستدلوا – أيضاً – بحديث معاذ بن جبل – رضي الله تعالى عنه المتقدم – قال ابن الجوزي : وفيه – أي في هذا الحديث – دليل على أن الزكاة لا تنقل ، وعندنا : أنه يجوز نقل الزكاة إلى بلد تقصر فيه الصلاة .

الراجح :

من خلال ما سبق يتبين لنا أن الأصل في أموال الزكاة أنها تصرف في محل وجوبها وذلك لأن أصحاب الحاجة والعَوَذ قد اطّلَعوا على هذه الأموال وتعلقت بها نفوسهم ورتبوا عليها حياتهم ، لكن إذا فقد هؤلاء أو كانت الزكاة زائدة على حوائجهم فإنهم يخرجون من أهلها – أي من أهل الزكاة – بالكفاية ويرد الفاضل من سهامهم على غيرهم من أقرب البلاد إليهم ، وبذلك نجد أن للزكاة آثارها الإيجابية على الوحدة الاقتصادية بين المسلمين فهي تبدأ محلية ثم يندرج تعميمها إلى أن تشمل العالم الإسلامي كله .

وبذلك نري أن نقل الزكاة جائز لمصلحة راجحة ، كأن يكون أهل البلد الآخر هم أشد احتياج إلى المال من غيرهم كما في حالة الفيضانات أو الجفاف أو المجاعات أو الحروب ونحو ذلك .

 

 

 

 

 

 

 Tweets by masrelbalad