logo

رسالة إلى كل مبتلى

كتب: نافذة مصر البلد - 2020-06-16 01:20:57

بقلم:

أ.د/جمال الدهشان

عميد كلية التربية_جامعة المنوفية

إن من السنن الكونية وقوع الابتلاء على المخلوقين، فهو سنة الله فى خلقه،  اختباراً لهم, وتمحيصاً لذنوبهم , وتمييزاً بين الصادق والكاذب ، فالدنيا دار ابتلاء وبوتقة اختبار ، ولذا أخبرنا العزيز الغفار أننا سنبتلى في هذه الدار فقال جل وعلى_ ) وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ{} الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ{} أُولَـئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَـئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ ، قوله تعالى: ﴿ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ(30)﴾ ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ(2)﴾، وقله تعالى( وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ)  و قال تعالى( الم* أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ ) ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ ﴾ ﴿وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ ﴾ ، لذلك يقول الله عز وجل في آية بليغة وكل كلام الله بليغ: ﴿وَإِنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ ﴾

      وقال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط. رواه الترمذي وقال حديث حسن. وأكمل الناس إيمانا أشدهم إبتلاء قال رسول الله  صلى الله عليه وسلم  " أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الصالحون، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلباً اشتد به بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة. أخرجه الإمام أحمد وغيره.

وقال ايضا "ان الله اذا احب قوما ابتلاهم فمن رضى فله الرضا ومن سخط فله السخط "والمحن التي يمر بها أهل الحق بشكل عام هي محن ضرورية لتربيتهم ولتمحيصهم، استمع إلى قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آَمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾

فوائد الإبتلاء

للابتلاء فوائد عظيمة نذكر منها :  تكفير الذنوب ومحو السيئات ،  رفع الدرجة والمنزلة في الآخرة،• الشعور بالتفريط في حق الله واتهام النفس ولومها ،  فتح باب التوبة والذل والانكسار بين يدي الله،  تقوية صلة العبد بربه،  تذكر أهل الشقاء والمحرومين والإحساس بالآمهم،  قوة الإيمان بقضاء الله وقدره واليقين بأنه لاينفع ولا يضر الا الله ،  تذكر المآل وإبصار الدنيا على حقيقتها.

موقف الناس من الابتلاء:

     الناس حين نزول البلاء ثلاثة اقسام : الأول: محروم من الخير يقابل البلاء بالتسخط وسوء الظن بالله واتهام القدر ، فمما يؤسف له أن بعض المسلمين ممن ضعف إيمانه إاذا نزل به البلاء تسخط و سب الدهر , ولام خالقه في أفعاله وغابت عنه حكمة الله في قدره واغتر بحسن فعله فوقع في بلاء شر مما نزل به وارتكب جرماً عظيماً.

        إن شكوى الله على الخلق والبكاء على الغائب من أمارات وموجبات ضعف الإيمان، ومن مظاهر اليأس من روح الملك الديان، ومن دواعي القنوط من رحمة الله الرحيم الرحمن، وتلكم من خصال شر البرية الذين يظنون بالله غير الحق ظن الجاهلية؛ ولهذا تجدون بعض هؤلاء إذا نزلت بأحدهم النازلة أو حلت به الكارثة ضاقت عليه المسالك، وترقب أفجع المهالك، فضاق صدره، ونفد صبره، واضطربت نفسه، وساء ظنه، وكثرت همومه، وتوالت غمومه، فصد عن الحق، وتعلق بمن لا يملك نفعه ولا ضره من الخلق؛ يأساً من روح الله وقنوطاً من رحمته، وذلك هو الخسران المبين في الدارين؛ فإن التعلق بالمخلوقين والإعراض عن رب العالمين شرك بنص الكتاب المبين: وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَ فَإِن فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مّنَ ٱلظَّـٰلِمِينَ وَإِن يَمْسَسْكَ ٱللَّهُ بِضُرّ فَلاَ كَاشِفَ لَهُ إِلاَّ هُوَ وَإِن يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلاَ رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصَيبُ بِهِ مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ ٱلْغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ [يونس:106-107].
الثاني : موفق يقابل البلاء بالصبر وحسن الظن بالله ، وهو ماوصفه رب العزة بالصبر الجميل ،  فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا، اى الصبر الذى الذي لا جزع فيه ولا شكوى لغير الله. وقيل : هو أن يكون صاحب المصيبة في القوم لا يدرى من هو .

الثالث : راض يقابل الابتلاء بالرضا والشكر وهو أمر زائد على الصبر، على يقين بان المؤمن كل أمره خير فهو في نعمة وعافية في جميع أحواله ففي صحيح مسلم ـ رحمه الله ـ عن النبي قال: ((عجباً لأمر المؤمن؛ إن أمره كله له خير، وليس ذلك إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيراً له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيراً له)).

       وفي الصحيحين عن أبي هريرة وأبي سعيد ـ رضي الله عنهما ـ عن النبي قال: ما يصيب المؤمن نصب ـ أي: تعب ـ ولا وصب ـ أي: مرض ـ ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه)). وفيهما أيضا عنه قال: ((ما من مسلم يصيبه أذى؛ شوكة فما فوقها، إلا كفر الله بها من سيئاته، وحط عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها))

      وفي الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : ((ما يزال البلاء بالمؤمن في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله ـ تعالى ـ وما عليه خطيئة)) ، وفيه أيضا عن أنس قال: قال رسول الله : ((إذا أراد الله بعبده خيرا عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة))

      وقال النبي : ((إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله ـ تعالى ـ إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط)) ، وفيه أيضا عنه قال: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى المرء على حسب دينه)) .

    وفي المسند وغيره عن رسول الله قال: ((إن العبد إذا سبقت له من الله منزلة فلم يبلغها بعمل، ابتلاه الله في جسده أو ماله أو ولده، ثم صبر على ذلك حتى يبلغ المنزلة التي سبقت له من الله ـ عز وجل ـ))

     عباد الله، كم من محنة في طيها منح ورحمات، وكم من مكروه يحل بالعبد ينال به رفيع الدرجات وجليل الكرامات، وصدق الله العظيم إذ يقول: إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [الأنعام:83]. ويقول: إِنَّمَا يُوَفَّى ٱلصَّـٰبِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ [الزمر: 10.

صور الابتلاء وانواعه:

      الابتلاء له صور كثيرة: ابتلاء في الأهل وفى المال وفى الولد, وفى الدين , وأعظمها ما يبتلى به العبد في دينه ،  وهو كذلك نوعان :  ابتلاء بالخير وابتلاء بالشر ، كما جاء فى قول الحق تبارك وتعالى  كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ ، وقوله تعالى  وَقَطَّعْنَاهُمْ فِي الْأَرْضِ أُمَمًا ۖ مِنْهُمُ الصَّالِحُونَ وَمِنْهُمْ دُونَ ذَٰلِكَ ۖ وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ.

الواجب على العبد حين وقوع البلاء

والواجب على العبد حين وقوع البلاء عدة أمور: أن يتيقن ان هذا من عند الله فيسلم الأمرله، أن يلتزم الشرع ولا يخالف أمر الله فلا يتسخط ولا يسب الدهر،  أن يتعاطى الأسباب النافعة لد فع البلاء، أن يستغفر الله ويتوب إليه مما أحدث من الذنوب.

وهناك معاني ولطائف اذا تأمل فيها العبد هان عليه البلاء وصبر وآثر العاقبة الحسنة وأبصر الوعد والثواب الجزيل : 

أولاً : أن يعلم أن هذا البلاء مكتوب عليه لامحيد عن وقوعه واللائق به ان يتكيف مع هذا الظرف ويتعامل بما يتناسب معه.

ثانياً : أن يعلم أن كثيراً من الخلق مبتلى بنوع من البلاء كل بحسبه و لايكاد يسلم أحد فالمصيبة عامة , ومن نظر في مصيبة غيره هانت عليه مصيبته.

ثالثاً : أن يذكر مصاب الأمة الإسلامية العظيم بموت رسول الله صلى الله عليه وسلم  الذى انقطع به الوحي وعمت به الفتنه وتفرق بها الأصحاب " كل مصيبة بعدك جلل يا رسول الله "

رابعاً : ان يعلم ما أعد الله لمن صبر في البلاء أول وهلة من الثواب العظيم قال رسول الله " إنما الصبر عند المصيبة الأولى "

خامساً : أنه ربما ابتلاه الله بهذه المصيبة دفعاً لشر وبلاء أعظم مما ابتلاه به , فاختار الله له المصيبة الصغرى وهذا معنى لطيف.

سادساً : أنه فتح له باب عظيم من أبواب العبادة من الصبر والرجاء , وانتظار الفرج فكل ذلك عبادة .

سابعاً : أنه ربما يكون مقصر وليس له كبير عمل فأراد الله أن يرفع منزلته و يكون هذا العمل من أرجى أعماله في دخول الجنة.

ثامناً : قد يكون غافلا معرضاً عن ذكر الله مفرطاً في جنب الله مغتراً بزخرف الدنيا , فأراد الله قصره عن ذلك وإيقاظه من غفلته ورجوعه الى الرشد.

    فاذا استشعر العبد هذه المعاني واللطائف انقلب البلاء في حقه الى نعمة وفتح له باب المناجاة ولذة العبادة , وقوة الاتصال بربه والرجاء وحسن الظن بالله وغير ذلك من أعمال القلوب ومقامات العبادة ما تعجز العبارة عن وصفة .

قال وهب بن منبه: لا يكون الرجل فقيها كامل الفقه حتى يعد البلاء نعمة ويعد الرخاء مصيبة، وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء وصاحب الرخاء ينتظر البلاء و قال رسول الله (: يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقارض ) رواه الترمذي

  امور تخفف البلاء على المبتلى : 

ومن الأمور التي تخفف البلاء على المبتلى وتسكن الحزن وترفع الهم وتربط على القلب :
(1) الدعاء: قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الدعاء سبب يدفع البلاء، فإذا كان أقوى منه دفعه، وإذا كان سبب البلاء أقوى لم يدفعه، لكن يخففه ويضعفه، ولهذا أمر عند الكسوف والآيات بالصلاة والدعاء والاستغفار والصدقة.

(2) الصلاة: فقد كان رسول الله  صلى الله عليه وسلم  اذا حزبه أمر فزع الى الصلاة رواه أحمد.

(3) الصدقة" وفى الأثر "داوو مرضاكم بالصدقة"

(4) تلاوة القرآن: " وننزل من القرآن ماهو شفاء ورحمة للمؤمنين"ا

(5) الدعاء المأثور: "وبشر الصابرين الذين اذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا اليه راجعون" وما استرجع أحد في مصيبة إلا أخلفه الله خيرا منها.

 

 


 Tweets by masrelbalad