مقالة نقدية بقلم- إبراهيم فايد

 

صِناعَةُ السِّينِما.. وما أدراكُمْ ما هي؟!

عالَمٌ هوليوديٌّ بوليوديٌّ مبهِرٌ لَطالما حاذَ شغَفَ الملايين ونال إعجابَ الجميعِ؛ حتَّى باتَتْ دورُ السِّينِما علىٰ رأسِ قائمةِ النُزْهات التَرْفيهيَّةِ وحجزَتْ مكانَها علىٰ مَدار عُقودٍ كأفْضَلَ الوِجْهاتِ الرومانْسِيَّةِ المُعْتادةِ بيْنَ الرِّفاق والعاشقين جَماعةً وفُرادَىٰ يتنَعَّمون بأجمَلَ الأوقات وسْطَ أفكارِ مؤلِّفٍ مُبدِع، وأحْبارِ سيناريست مُتألِّق، وكاميرا مُخِرج متميز، وأداء فنانٍ مَوْهوبٍ، وإضاءة وحركة وموسيقىٰ تصويرية ..... إلى آخِرِ ذلِكَ مِن دلالات الإبْداع الواضِحَة والخَفِيَّة بِشَتَّى ألوانِها وألحانِها الفَتِيَّةِ اللاتي ما إن ترابطَتْ جميعُها حتَّىٰ اكتمَلَ المَشْهَدُ بِلَقطاتِهِ ومَعانيهِ البَديعة، كُلُّ ذلِكَ وأكثر يُعَدُّ نُقطةً في بحْرِ صناعة الشاشَةِ الكبيرَةِ علىٰ اختلافِ صُنوفها وتَنَوُّعِ دُروبها وانْتِشار شِعابِها وتَتالِ عباقرتها الأفْذاذ وتُراثِهِمُ الأدَبيُّ والفَنِّيُ الفَريدُ المُمْتَدُّ شرْقًا وغرْبًا وحَوْلَ البسيطةِ جَمْعاء.

 

وفي ظِلِّ كُلِّ ذاك الصَّخَبُ اللَّوْذَعي المُخضَّبُ بِكواليس الفِكْرِ وأدبِيَّات القَلَم، لم أجِدْ بُدًّا مِنْ أن أُسَلِّمَ كُلَّ جَوارحي لِعَمَلٍ أدبيٍّ مِنَ النُّدْرَةِ بِمَكانٍ أنْ تجِدَ له مثيلًا، وحقيقةً كمُحرِّرٍ أدبيٍّ ومُدَقِّقٍ لُغُويٍّ قضَيْتُ ما قضَيْتُهُ في صالات التحرير أَدْرُسُ فُنون الكِتابة وأتعلَّمُ وأمتهِنُ النَّقْدَ الأدبيَّ وأكشْفِ خَبايا الرُّواةِ والقَصَّاصين؛ لِلْحَدِّ الذي يُعَرِّفُني البعْضُ بـ«الباحِثِ عَنِ السَّقطات» نَظَرًا لالتماسي الشَّديد نِقاطَ الضَّعْفِ في أي عمَلٍ أشرُفُ بِقِراءتِهِ حَدَّ التَّبجُّح في عرْضِ سلْبِيات المَضْمون فِكْرًا ولُغَةً نَحْوًا وصَرْفًا وشُخوصَ وأحْداثَ وصِراعاتِ القِصَّة وأهدافَ العَمَلِ وغاياتِهِ وحتَّىٰ تناسيقِهِ وتقاسيم بُنودِهِ المادِّيَّةِ والمَعْنَويَّةِ وتصاميم غُلافِ العَمَلِ ووووو، ولم يكُنْ ما سبَقَ ذِكْرُهُ مِن باب التَّباهي والمغالاة في كَيْنونتي المِهَنيَّة المتواضِعَةِ إلا لأُظْهِرَ كمَّ المفارقة في أنَّه رُغْمَ "غلاستي" النَّقْدية المُعْتادة لمْ أجِدْ -وبلا أيِّ تقْصيرٍ مِنِّي- في هكذا رواية ما أسُلِّطُ علَيْهْ سِياط نقْدي، اللَّهُمَ إلَّا بعْضَ السَّقطاتِ اللُّغَويَّةِ اللاتي اختلطَتْ على الكاتِبِ عند انتقاله السَّلِسِ ما بَيْنَ فُصْحَىٰ السَّرْدِ وعامِّيَّةِ الحِوار، ولا أتحَدَّثُ هُنا عَنْ إشكاليَّةِ استِعْمالِ الفُصْحَىٰ إلى جانِبِ العامِّيَّةِ مِن عَدَمِهِ؛ خاصةً وأنَّها قَدْ حُسِمَتْ بالفِعل على أيْدي عِظام الأدَبِ العربيِّ «محفوظ، والعقاد، وطه حسين، وإحسان عبد القدوس، وأنيس منصور، واليوسِفَيْن إدريس والسباعي، وبهاء طاهر» وغيرِهم مِن كُتَّابٍ مُعاصِرين -لا يتَّسِع المَجالُ لِذِكْرِهم- في ما قدَّموه مِن تِقَنِيَّات دمْجِ فُصْحَىٰ السَّرْدِ مع عامِّيَّة الحَوار في فُنونِ المَلْحَمَةِ والمَسْرحِيَّةِ والرِّوايَةِ والقِصَّةِ القَصيرة، لكِن حديثي هُنا يتَمَحْوَرُ حَوْلَ سُوء تنفيذِ تلك التِّقَنِيَّة؛ حيْثُ اندمجَتْ الفُصْحَى مع اللغة الدَّارجة في مَواقِفَ عِدَّة بما يخالِفُ الشَّكْلَ الأدبيَّ المُتعارَف عليه، ناهيكَ عَنْ الوَضاعة الفنية للغُلافِ وانْعِدام وَثَاقتِهِ بِمَضمون العَمَلِ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَر وخُلُوِّهِ مِن أبسَطَ دِلالاتِ الإبْداع للقَدْرِ الذي اكتَفَيا فيه بِصورةٍ عابِرَةٍ لَمْ يستعمِلا فيها حتَّىٰ أيَّ لَمَساتٍ فنِّيَّةٍ مُتخَصِّصة، حتَّىٰ وإن راعَيْنا تِلْكُمَ النظرة الأدَبيَّة للمؤلف في كَوْنِ العَمَلِ سيناريو لا رواية وأنَّها ليسَتْ بِحاجة لِغُلافٍ ما، فعَلَىٰ الأقَلِّ لم تكُنْ لِتَخلو مِن "أفيش" يليق بهذه المادَّةِ الأدَبيَّة والفنِّيَّةِ البديعة، عِلْمًا بأن غُلاف الفيلم -مَحَل النِّقاش- قد تَبَدَّل عِدَّةَ مَرَّاتٍ علىٰ مَدار ثمانيةِ طَبْعاتٍ مُتتالية للعَمَلِ ذاتِه.

 

وهكذا بعْدَ إذْ سردْتُ سلبِياتِ «مع الأيام» مِن وِجْهةِ نَظَري المُتَواضعة، لمْ يحُلْ ذلك دُون استمتاعي بتِلْكُمَ الجَوْلة الإيجابِيَّةِ التي يقودُنا فيها «الأخَوان حُسَيْن» -حسام، وميران- صاحِبا السَّبِقِ الأدبيِّ الفَريدِ الماثِلِ بَيْنَ أياديكُمُ اليَوْم، ولَعَلَّ البعْضَ تساءَلَ عَنْ عَلاقة مُقَدِّمَةِ مقالتي عَنِ السِّينما بِهذا العَمَلِ الرِّوائيِّ، ولا شكَّ تَعْلمون أنَّ الرِّوايةَ هي اللبِنَةُ الأولىٰ في صِناعَةِ السِّينما والتي تأتي بمثابة بِذْرة تَنْبُتُ لاحِقًا بِسيناريو فإخراج فتَصْوير فَمُونتاج إلى آخِرِهِ حتَّىٰ نضَعَ بيْنَ أيدينا عَمَلًا فنِّيًّا سينمائيٍّا أو حتَّىٰ دِراميًا، لكِنْ ما حدَثَ هُنا هو أنَّ الرِّوايةَ تجاوزَتْ بِمُنتهَىٰ العبقريَّةِ خُطُواتٍ عِدَّةٍ علىٰ طريقِ صِناعَةِ السِّينما؛ حيْثُ جمعَتْ الفيلمَ بدايةً مِنَ الفِكْرة مُرورًا بالسِّيناريو المُطَعَّمِ بِوَصْفِ الزَّمانِ والمَكانِ وشتَّىٰ دِلالات الإخْراجِ الفَذَّة مِن تَوْصيف أدَقِّ تفاصيلِ انفِعالات الشُّخوص وتَعْبيرات الجَسَدِ والوُجوه في "لوكيشن" داخِليٍّ أو مَنْظَرٍ خارجِيٍّ واصِفًا مَعالِمَ الإضاءَةِ والتَّصْوير وحَرَكاتِ الكاميرا وزَواياها بِالتَّوازي معَ سَرْدِ الموسيقَىٰ الأساسيَّة والتَّصْويريَّة ومعالِمِ المونتاج مِن مزْجِ المَشاهِدِ ودمْجِها وقَطْعِها وإنهاءها بـFade to black أو Overlap، مع استِعْمال الفِلاش باك والفوتومونتاج وغَيْرِهِما؛ ولا شَكَّ كُلِّ هذا جاء كجُزْءٍ لا يتجزَّأُ مِن خِبْرَةٍ لا بأس بها اكتسَبَها الكاتِبان خِلال رحلتَيْهِما المِهَنِيَّة في عَوالِمِ التأليف والإخْراج.

 

«مع الأيام»، ذاك الفيلمُ المَقْروءُ الفَريدُ مِن الناحية الفنية، والذي نشَرَهُ دار الميرا المملوك للكاتبَيْن «حسام، وميران حسين» بالتعاون مع دار أخبار اليوم لتوزيع الكِتاب، وهو العَمَلُ الذي يُسَلِّطُ الضَّوْءَ علىٰ العَلاقات الأُسَرَيَّةِ والاجتماعِيَّةِ وتِلْكُمَ الخِلافات الزَوْجيَّة التي قَدْ تُطيح باستقرار أسْرَةِ بِأكمَلها علىٰ إثْرِ خيانَةٍ زَوْجِيَّةٍ أو علىٰ إثْرِ زَوْجَةٍ ناشِزَ تمَرَّدَتْ على رَفيقَ دَرْبِها؛ إمَّا لِغِيرَةٍ عَمْياءَ أو لِنَظْرَةٍ دُونِيَّةٍ يمْنَحُها أحَدُ الطَّرَفَيْن لِنَظيرِهِ والتي في الغالِبِ تنْبَعِثُ مْن مُنطلَقِ التَّفاوُتِ الطَّبقِيِّ بيْنَ العائلتَيْن، وفي السِّياق ذاتِهِ عرَضَ الفيلمُ نظرَةَ المجتمَعِ للمُطَلَّقة أو طالبة الخُلْع وكيْفَ ينْفُرُ مِن صُحْباها بعْضُ ضِعافِ النُّفوس بَلْ ويمنعون زوجاتَهُم مِن مُخالطتها، كما لَمْ يفُتْ «الأخَوَان» علىٰ الجانِبِ الآخَر التَّطَرُّقَ لِلعَلاقات الإيجابية المُمَثَّلة في كَنَفِ الحَنانِ والأمانِ بيْنَ الوالِدَيْن وذَويهم، وكذا عَلاقة الوفاء وتقديم يدَ العَوْنِ عند الأصْدِقاء بعضهم البعض، وكذا العاشِقَان اللذانِ دفعَتْهُما ظُروفُ حياتَيْهِما القاسِيَةِ في الماضي إلى العُزْلَةِ والتَّقَوْقُعِ تارَةً قبْلَ أنْ يضُخَّ القلْبُ فيهِما دِماءَ المُحاياة لِيَلْتَقِيا تارَةً أخْرَى بِرَوْحَيْهِما ويُعيدا الكَرَّة مِن جَديدٍ، وهذه كُلُّها أمورٌ تحْمِلُ رسائِلَ وغاياتٍ عديدةً تحُثُّ وتحُضُّ علىٰ استمرارية الكِفاح في الحياة وعدم الوقوف عِنْدَ الماضي؛ لأن الدُّنْيا تَحْمِلُ لنا كُلَّ يَوْمٍ فُرَصًا جديدةً للانْطِلاق.

 

خِتامًا أُوصِي وأَوَدُّ لو تَمَّ إنتاجُ هذا السيناريو ضِمْنَ عمَلٍ سينمائي يُجَسِّدُ أحداثَهُ علىٰ الشاشة الكبيرة، رُغْمَ كونه بالفِعْلِ فيلمًا يراه القارئُ رُؤيَ العَيْنِ على صَفَحاتِ الكِتاب وسْطَ الأحْبارِ والأَوْراقِ والهوامِشَ.. فيلمًا مَقْروءًا يدْمِجُ الرِّواية بالسِّيناريو بما يجْعَلُ القارئ يُبْحِرُ ويَطوفُ يَصولُ ويَجولُ بيْنَ لوكيشن التَّمثيل ووِرَشِ المونتاج واستوديوهات الإنْتاجِ الفَنِّيِّ راصِدًا بناظِرَيْه اصْطِلاحات الإخْراجِ السِّينمائي، ومفاتيح الانْتِقال بين اللقطات والمَشاهِدِ وأدَبِيَّات صِناعة السِّينما وسْطَ انتقالِ الحِوارِ والكاميرا والإضاءة والموسيقَىٰ بِكُلِّ سلاسةٍ بَيْنَ الشَّخْصيات والمَشاهِدِ بعضها البعض؛ لتكتمل بِالنِّهاية "حدوتةً" واقعية ًيعيشها أبطالُ العَمَلِ قبل قُرَّاءِهِ ومُشاهِديه.

">
logo

«مع الأيام» رواية بطعم السيناريو.. اقرأ كأنك في اللوكيشن!

كتب:

A PHP Error was encountered

Severity: Notice

Message: Trying to get property of non-object

Filename: home/news-single.php

Line Number: 35

- 2019-12-18 11:14:36

مقالة نقدية بقلم- إبراهيم فايد

 

صِناعَةُ السِّينِما.. وما أدراكُمْ ما هي؟!

عالَمٌ هوليوديٌّ بوليوديٌّ مبهِرٌ لَطالما حاذَ شغَفَ الملايين ونال إعجابَ الجميعِ؛ حتَّى باتَتْ دورُ السِّينِما علىٰ رأسِ قائمةِ النُزْهات التَرْفيهيَّةِ وحجزَتْ مكانَها علىٰ مَدار عُقودٍ كأفْضَلَ الوِجْهاتِ الرومانْسِيَّةِ المُعْتادةِ بيْنَ الرِّفاق والعاشقين جَماعةً وفُرادَىٰ يتنَعَّمون بأجمَلَ الأوقات وسْطَ أفكارِ مؤلِّفٍ مُبدِع، وأحْبارِ سيناريست مُتألِّق، وكاميرا مُخِرج متميز، وأداء فنانٍ مَوْهوبٍ، وإضاءة وحركة وموسيقىٰ تصويرية ..... إلى آخِرِ ذلِكَ مِن دلالات الإبْداع الواضِحَة والخَفِيَّة بِشَتَّى ألوانِها وألحانِها الفَتِيَّةِ اللاتي ما إن ترابطَتْ جميعُها حتَّىٰ اكتمَلَ المَشْهَدُ بِلَقطاتِهِ ومَعانيهِ البَديعة، كُلُّ ذلِكَ وأكثر يُعَدُّ نُقطةً في بحْرِ صناعة الشاشَةِ الكبيرَةِ علىٰ اختلافِ صُنوفها وتَنَوُّعِ دُروبها وانْتِشار شِعابِها وتَتالِ عباقرتها الأفْذاذ وتُراثِهِمُ الأدَبيُّ والفَنِّيُ الفَريدُ المُمْتَدُّ شرْقًا وغرْبًا وحَوْلَ البسيطةِ جَمْعاء.

 

وفي ظِلِّ كُلِّ ذاك الصَّخَبُ اللَّوْذَعي المُخضَّبُ بِكواليس الفِكْرِ وأدبِيَّات القَلَم، لم أجِدْ بُدًّا مِنْ أن أُسَلِّمَ كُلَّ جَوارحي لِعَمَلٍ أدبيٍّ مِنَ النُّدْرَةِ بِمَكانٍ أنْ تجِدَ له مثيلًا، وحقيقةً كمُحرِّرٍ أدبيٍّ ومُدَقِّقٍ لُغُويٍّ قضَيْتُ ما قضَيْتُهُ في صالات التحرير أَدْرُسُ فُنون الكِتابة وأتعلَّمُ وأمتهِنُ النَّقْدَ الأدبيَّ وأكشْفِ خَبايا الرُّواةِ والقَصَّاصين؛ لِلْحَدِّ الذي يُعَرِّفُني البعْضُ بـ«الباحِثِ عَنِ السَّقطات» نَظَرًا لالتماسي الشَّديد نِقاطَ الضَّعْفِ في أي عمَلٍ أشرُفُ بِقِراءتِهِ حَدَّ التَّبجُّح في عرْضِ سلْبِيات المَضْمون فِكْرًا ولُغَةً نَحْوًا وصَرْفًا وشُخوصَ وأحْداثَ وصِراعاتِ القِصَّة وأهدافَ العَمَلِ وغاياتِهِ وحتَّىٰ تناسيقِهِ وتقاسيم بُنودِهِ المادِّيَّةِ والمَعْنَويَّةِ وتصاميم غُلافِ العَمَلِ ووووو، ولم يكُنْ ما سبَقَ ذِكْرُهُ مِن باب التَّباهي والمغالاة في كَيْنونتي المِهَنيَّة المتواضِعَةِ إلا لأُظْهِرَ كمَّ المفارقة في أنَّه رُغْمَ "غلاستي" النَّقْدية المُعْتادة لمْ أجِدْ -وبلا أيِّ تقْصيرٍ مِنِّي- في هكذا رواية ما أسُلِّطُ علَيْهْ سِياط نقْدي، اللَّهُمَ إلَّا بعْضَ السَّقطاتِ اللُّغَويَّةِ اللاتي اختلطَتْ على الكاتِبِ عند انتقاله السَّلِسِ ما بَيْنَ فُصْحَىٰ السَّرْدِ وعامِّيَّةِ الحِوار، ولا أتحَدَّثُ هُنا عَنْ إشكاليَّةِ استِعْمالِ الفُصْحَىٰ إلى جانِبِ العامِّيَّةِ مِن عَدَمِهِ؛ خاصةً وأنَّها قَدْ حُسِمَتْ بالفِعل على أيْدي عِظام الأدَبِ العربيِّ «محفوظ، والعقاد، وطه حسين، وإحسان عبد القدوس، وأنيس منصور، واليوسِفَيْن إدريس والسباعي، وبهاء طاهر» وغيرِهم مِن كُتَّابٍ مُعاصِرين -لا يتَّسِع المَجالُ لِذِكْرِهم- في ما قدَّموه مِن تِقَنِيَّات دمْجِ فُصْحَىٰ السَّرْدِ مع عامِّيَّة الحَوار في فُنونِ المَلْحَمَةِ والمَسْرحِيَّةِ والرِّوايَةِ والقِصَّةِ القَصيرة، لكِن حديثي هُنا يتَمَحْوَرُ حَوْلَ سُوء تنفيذِ تلك التِّقَنِيَّة؛ حيْثُ اندمجَتْ الفُصْحَى مع اللغة الدَّارجة في مَواقِفَ عِدَّة بما يخالِفُ الشَّكْلَ الأدبيَّ المُتعارَف عليه، ناهيكَ عَنْ الوَضاعة الفنية للغُلافِ وانْعِدام وَثَاقتِهِ بِمَضمون العَمَلِ بِشَكْلٍ أَوْ بِآخَر وخُلُوِّهِ مِن أبسَطَ دِلالاتِ الإبْداع للقَدْرِ الذي اكتَفَيا فيه بِصورةٍ عابِرَةٍ لَمْ يستعمِلا فيها حتَّىٰ أيَّ لَمَساتٍ فنِّيَّةٍ مُتخَصِّصة، حتَّىٰ وإن راعَيْنا تِلْكُمَ النظرة الأدَبيَّة للمؤلف في كَوْنِ العَمَلِ سيناريو لا رواية وأنَّها ليسَتْ بِحاجة لِغُلافٍ ما، فعَلَىٰ الأقَلِّ لم تكُنْ لِتَخلو مِن "أفيش" يليق بهذه المادَّةِ الأدَبيَّة والفنِّيَّةِ البديعة، عِلْمًا بأن غُلاف الفيلم -مَحَل النِّقاش- قد تَبَدَّل عِدَّةَ مَرَّاتٍ علىٰ مَدار ثمانيةِ طَبْعاتٍ مُتتالية للعَمَلِ ذاتِه.

 

وهكذا بعْدَ إذْ سردْتُ سلبِياتِ «مع الأيام» مِن وِجْهةِ نَظَري المُتَواضعة، لمْ يحُلْ ذلك دُون استمتاعي بتِلْكُمَ الجَوْلة الإيجابِيَّةِ التي يقودُنا فيها «الأخَوان حُسَيْن» -حسام، وميران- صاحِبا السَّبِقِ الأدبيِّ الفَريدِ الماثِلِ بَيْنَ أياديكُمُ اليَوْم، ولَعَلَّ البعْضَ تساءَلَ عَنْ عَلاقة مُقَدِّمَةِ مقالتي عَنِ السِّينما بِهذا العَمَلِ الرِّوائيِّ، ولا شكَّ تَعْلمون أنَّ الرِّوايةَ هي اللبِنَةُ الأولىٰ في صِناعَةِ السِّينما والتي تأتي بمثابة بِذْرة تَنْبُتُ لاحِقًا بِسيناريو فإخراج فتَصْوير فَمُونتاج إلى آخِرِهِ حتَّىٰ نضَعَ بيْنَ أيدينا عَمَلًا فنِّيًّا سينمائيٍّا أو حتَّىٰ دِراميًا، لكِنْ ما حدَثَ هُنا هو أنَّ الرِّوايةَ تجاوزَتْ بِمُنتهَىٰ العبقريَّةِ خُطُواتٍ عِدَّةٍ علىٰ طريقِ صِناعَةِ السِّينما؛ حيْثُ جمعَتْ الفيلمَ بدايةً مِنَ الفِكْرة مُرورًا بالسِّيناريو المُطَعَّمِ بِوَصْفِ الزَّمانِ والمَكانِ وشتَّىٰ دِلالات الإخْراجِ الفَذَّة مِن تَوْصيف أدَقِّ تفاصيلِ انفِعالات الشُّخوص وتَعْبيرات الجَسَدِ والوُجوه في "لوكيشن" داخِليٍّ أو مَنْظَرٍ خارجِيٍّ واصِفًا مَعالِمَ الإضاءَةِ والتَّصْوير وحَرَكاتِ الكاميرا وزَواياها بِالتَّوازي معَ سَرْدِ الموسيقَىٰ الأساسيَّة والتَّصْويريَّة ومعالِمِ المونتاج مِن مزْجِ المَشاهِدِ ودمْجِها وقَطْعِها وإنهاءها بـFade to black أو Overlap، مع استِعْمال الفِلاش باك والفوتومونتاج وغَيْرِهِما؛ ولا شَكَّ كُلِّ هذا جاء كجُزْءٍ لا يتجزَّأُ مِن خِبْرَةٍ لا بأس بها اكتسَبَها الكاتِبان خِلال رحلتَيْهِما المِهَنِيَّة في عَوالِمِ التأليف والإخْراج.

 

«مع الأيام»، ذاك الفيلمُ المَقْروءُ الفَريدُ مِن الناحية الفنية، والذي نشَرَهُ دار الميرا المملوك للكاتبَيْن «حسام، وميران حسين» بالتعاون مع دار أخبار اليوم لتوزيع الكِتاب، وهو العَمَلُ الذي يُسَلِّطُ الضَّوْءَ علىٰ العَلاقات الأُسَرَيَّةِ والاجتماعِيَّةِ وتِلْكُمَ الخِلافات الزَوْجيَّة التي قَدْ تُطيح باستقرار أسْرَةِ بِأكمَلها علىٰ إثْرِ خيانَةٍ زَوْجِيَّةٍ أو علىٰ إثْرِ زَوْجَةٍ ناشِزَ تمَرَّدَتْ على رَفيقَ دَرْبِها؛ إمَّا لِغِيرَةٍ عَمْياءَ أو لِنَظْرَةٍ دُونِيَّةٍ يمْنَحُها أحَدُ الطَّرَفَيْن لِنَظيرِهِ والتي في الغالِبِ تنْبَعِثُ مْن مُنطلَقِ التَّفاوُتِ الطَّبقِيِّ بيْنَ العائلتَيْن، وفي السِّياق ذاتِهِ عرَضَ الفيلمُ نظرَةَ المجتمَعِ للمُطَلَّقة أو طالبة الخُلْع وكيْفَ ينْفُرُ مِن صُحْباها بعْضُ ضِعافِ النُّفوس بَلْ ويمنعون زوجاتَهُم مِن مُخالطتها، كما لَمْ يفُتْ «الأخَوَان» علىٰ الجانِبِ الآخَر التَّطَرُّقَ لِلعَلاقات الإيجابية المُمَثَّلة في كَنَفِ الحَنانِ والأمانِ بيْنَ الوالِدَيْن وذَويهم، وكذا عَلاقة الوفاء وتقديم يدَ العَوْنِ عند الأصْدِقاء بعضهم البعض، وكذا العاشِقَان اللذانِ دفعَتْهُما ظُروفُ حياتَيْهِما القاسِيَةِ في الماضي إلى العُزْلَةِ والتَّقَوْقُعِ تارَةً قبْلَ أنْ يضُخَّ القلْبُ فيهِما دِماءَ المُحاياة لِيَلْتَقِيا تارَةً أخْرَى بِرَوْحَيْهِما ويُعيدا الكَرَّة مِن جَديدٍ، وهذه كُلُّها أمورٌ تحْمِلُ رسائِلَ وغاياتٍ عديدةً تحُثُّ وتحُضُّ علىٰ استمرارية الكِفاح في الحياة وعدم الوقوف عِنْدَ الماضي؛ لأن الدُّنْيا تَحْمِلُ لنا كُلَّ يَوْمٍ فُرَصًا جديدةً للانْطِلاق.

 

خِتامًا أُوصِي وأَوَدُّ لو تَمَّ إنتاجُ هذا السيناريو ضِمْنَ عمَلٍ سينمائي يُجَسِّدُ أحداثَهُ علىٰ الشاشة الكبيرة، رُغْمَ كونه بالفِعْلِ فيلمًا يراه القارئُ رُؤيَ العَيْنِ على صَفَحاتِ الكِتاب وسْطَ الأحْبارِ والأَوْراقِ والهوامِشَ.. فيلمًا مَقْروءًا يدْمِجُ الرِّواية بالسِّيناريو بما يجْعَلُ القارئ يُبْحِرُ ويَطوفُ يَصولُ ويَجولُ بيْنَ لوكيشن التَّمثيل ووِرَشِ المونتاج واستوديوهات الإنْتاجِ الفَنِّيِّ راصِدًا بناظِرَيْه اصْطِلاحات الإخْراجِ السِّينمائي، ومفاتيح الانْتِقال بين اللقطات والمَشاهِدِ وأدَبِيَّات صِناعة السِّينما وسْطَ انتقالِ الحِوارِ والكاميرا والإضاءة والموسيقَىٰ بِكُلِّ سلاسةٍ بَيْنَ الشَّخْصيات والمَشاهِدِ بعضها البعض؛ لتكتمل بِالنِّهاية "حدوتةً" واقعية ًيعيشها أبطالُ العَمَلِ قبل قُرَّاءِهِ ومُشاهِديه.


بقلم. د. محسن علي   هل شعرت… اقرأ المزيد

لا تنسي أنك إنسان

  بقلم... ريهام عبدالواحد   لا تستسلم… اقرأ المزيد

لا تنتظر سعادتك.. بل اصنعها بنفسك

بقلم.. علاء الداودي   السارق الذى يسرق… اقرأ المزيد

لقد خرقنا السفينة

 بقلم ..الدكتورة أميرة النبراوي    استيقظت  مني… اقرأ المزيد

سفيرة من القمر...قصة قصيرة

بقلم.. غادة أسعد :   يريدون ان… اقرأ المزيد

قيود الروح

 Tweets by masrelbalad