logo

قصور أثرية في قبضة مافيا العقارات.. والجهات المعنية ودن من طين وودن من عجين!

كتب: إبراهيم فايد - 2019-10-03 19:38:55

تقرير - إبراهيم فايد

 

في الآونة الأخيرة وتحديدًا سنوات ما بعد ثورة يناير وما تلتها من أحداث جِسام سياسية وأمنية -على كافة الأصعدة- لا زال يمتد تأثيرها حتى يومنا هذا، ظهرت على الساحة مجموعة من مافيا القصور التي راحت تسيطر عنوةً على عدد من العقارات التراثية والأثرية المملوكة للدولة في إطار المنفعة العامة، والتي تعود ملكيتها لبعض رجالات الأسرة الحاكمة في عهد الملك فاروق وسابقيه من ملوك وأمراء وغيرهم من بشوات وبكوات تواجدوا في مختلف أنحاء مصر في هذه الفترة من تاريخ مصر، وعلى ما يبدو أن هذه العصابات خططت لاقتحام القصور والاستراحات وفرض السيطرة عليها بقوة السلاح في غياب أمني وهجر لمسؤولي الأملاك ووزارتي الآثار والسياحة وغيرها من جهات وكيانات كان من المفترض لها أن تتابع هذه العقارات أولًا بأول وتوثق ملكيتها للدولة وتستغلها في الرواج السياحي لعشاق الفخامة والمعمار الإسلامي والبيزنطي والتركي وغيرها من فنون النحت والديكورات الملكية العتيقة بما يعود على مصر بالربح المادي، خاصةً وأن هنالك بالفعل العديد من القضايا المشابهة التي أثيرت في هذا الأمر على مدار سنوات العقد الأخير في مختلف أقاليم الجمهورية.

ولعل ما لفت انتباهي وأثار حنقي مؤخرًا هو التعدي على قصر أثري من قِبَل بلطجية سيطروا عليه بأوراق زائفة نسبوها زورًا لورثة مُلَّاك القصر الذي تعود ملكيته لـ"راشد باشا حسني"، ويعد هذا القصر من أهم المباني ذات الطراز المعماري المميز التي تذخر بها مدينة حلوان وتحديدًا عقار رقم 38 بشارع حيدر، والذي كان قد شُيِّدَ علي الطراز الفرنسي، وتَوالَى على سُكناه العديد من الأمراء والبشاوات علي مدار الحقب التاريخية المختلفة؛ حيث سجل التاريخ استقبال القصر للملك فؤاد وقيصر بلغاريا السابق "فرديناند الأول" عند زيارتهما لمنطقة حلوان، وجدير بالذكر أن هذا المنزل الأثري العتيق منسوب لأحد قادة الجيش المصري -راشد باشا حسني- الذي أرسله الخديو "إسماعيل" لمساعدة الدولة العثمانية في إخماد ثورة كريت، ثم أرسله لنجدة العثمانيين على الصرب، وكذا خرج على رأس جيش لنجدة العثمانيين في حروبهم مع الروس، وحتى عندما نشبت الثورة العرابية انضم إليها وتولى قيادتها في معركة القصاصين الثانية عام 1882م وأصيب بجرح رصاص غائر في قدمه، ولقد شهد بنزاهته ووطنيته واعتداله كل أبطال مصر في عهد الاحتلال وعلى رأسهم أحمد عرابي ومصطفى كامل.

حقيقةً لا أجد ما أعبر به عن تلكم الغصة التي كادت تحرق فؤادي حيال هذه الواقعة المؤسفة، بعد أن تورطت إحدى العصابات المتخصصة في تزوير أوراق شراء المباني الأثرية من ورثتها بالخارج -على حد قولهم- من الاستيلاء على القصر رغم عدم وجود ورثة حقيقيين على أرض الواقع موثقين على قوائم الدولة المصرية أو خارجها في وقتنا هذا، كما أن النيابة العامة أو أيٍ من الجهات الحكومية المعنية لم تصرح لهم بصحة هذه التوقيعات أو تمنحهم التمكين من هذا العقار التراثي الأثري الفخم، إلا أنهم بوسيلة أو بأخرى تمكنوا من تزوير أختام دولية لا صحة لها وسيطروا بهذه الأوراق وبقوة السلاح وعلى مرأى ومسمع من أهالي حلوان على القصر دون أن تحرك أجهزة الدولة ساكنًا لاستعادة أملاك الدولة وهيبة مصر وأمنها، لا سيَّما أن مثل تلك العصابات كانت قد تورطت من قبل في تنفيذ نفس العملية على عدد من المنشآت الأثرية التي تركها أهلها بدون حراسة وخرجوا من مصر في عهودها الخديوية والملكية وإبان ثورة يوليو.

وتسليطًا للضوء أكثر على تلكم الواقعة، فقد فوجئ سكان حلوان في شهر أغسطس من العام الماضي ٢٠١٨ بتجمع ممنهج من بلطجية سرقة القصور التراثية أمام هذا المنزل، واقتحموا بواباته الأثرية وسرقوا بعض التماثيل والديكورات التي أختفت فيما بعد، وبفرضية الأمر الواقع وضعوا أيديهم عليه بحجة شرائهم له من ورثته المقيمين بالخارج دون حكم قضائي أو قرار تمكين أو إستلام للقصر من الجهات الحكومية بالدولة المصرية، وقد استعانوا بالأسلحة النارية حول القصر لترويع كل مَن تُسَوِّل له نفسه التدخل ومطالبتهم بالخروج من القصر، وذلك في خطوة تمهيدية لهدم القصر النادر وذات المساحة الشاسعة لتحويله إلى أبراج سكنية شاهقة دون أي رادع، والتربح بملايين مملينة بلا أدنى وجه حق، ومِن تَمَّ تكرار نفس الأمر مع عقارات أثرية أخرى.. وما أكثرها في دولة تذخر بحضارة ذات 7 آلاف عام وتفتقد لأدنى آليات حراسة الأصول ومراقبة تبعيتها.

وانطلاقًا من دور الصحافة -وهي السلطة الرابعة المنوط بها مراقبة السلطات الثلاث الأخرى وكذا تسليط الضوء على كل مظاهر الفساد والخلل المجتمعي- فإنني أطالب بضرورة محاكمة هؤلاء وعرضهم على النيابة العامة ومطالبتهم بتقديم مستندات صحيحة قانونية وإثبات صحتها في أسرع وقت ممكن قبل أن تنتقل عقود الملكية الزائفة تلك لمافيا المقاولات والعقارت؛ وفي حال ثبوت بطلان ملكيتهم يتم توقيع أقسى عقوبة عليهم؛ حفاظًا على هيبة الدولة من كل عابث بها، خاصةً وأن مثل تلكم الجرائم تضير بتاريخ مصر وتمحو حقبة تاريخية هامة للغاية من حضارة مصر المعمارية علي مر العصور.


 Tweets by masrelbalad