logo

جريمة المصعد.. «البوليسية» بعيون العشاق!

كتب: إبراهيم فايد - 2019-02-21 11:19:36

بقلم - إبراهيم فايد

 

جريمة المصعد.. رواية رومانتيسية من الطراز الأول صدرت عن دار بدائل للنشر والتوزيع بقلم الكاتبة «صفاء حسين العجماوي»، ولَعلِّي قصدت برومانتيسية الرواية كَوْنها جمعَتْ في طيَّاتها ما بين الرومانتيكية من جهة، والبوليسية من جهةٍ أخرى، مع إتقان شتَّى دلالات الولع وأدبيات الجريمة على السواء، ورغم بغضي القديم لإقحام الرومانسية على الأعمال الجادة، لا سيَّما تلكم الأليمة بمضامين تراجيدية مأساوية كانت أو بوليسية شائكة؛ لِما أجده في ذلك من تناقضٍ جَمٍّ لا يضاهي الواقع في شيءٍ -وأنا الذي لطالما عَشِقْتُ الواقعية الأدبية حد الكفر بِغَيْرها- إلا أنني أومن كذا بأن الروائيَّ الحق المُتَيَقِّن مِن صنيع قلمه لا تحُدُّه حدودٌ ولا تمنعه شروطٌ ليبدع ويبتكر ويذيب الحواجز ويرضي جُلَّ الأطراف مهما تآلفت عليه الرؤَى أو اختلفَتْ مِن حولِهِ الأمزجة؛ وعليه استطاعت «العجماوي» في قرابة المائة وثلاثين (130) صفحةً أن تنسج خيوط الجريمة وتشُدَّ وَثاقها وتربط العُقَدَ هنا وتحلها هناك بدقة حائكٍ اسكتلنديٍّ حصيفٍ حاذق، أو بكفاءتها هي ذاتها «صفاء» الماهرة في غزل أصواف التريكو وتشكيل قَسَمات الكروشيه.

تدور أحداث الرواية حول أخَوَيْن عاشا حياة الفقر واليُتْم والعَوْز وعانَيا خلال طفولتهما والمراهقة وبدايات الشباب أقسى الظروف وأحلكها، حتى لعب الحظ دورَهُ وتهيأَتْ الأحوال ليتعاونا سويًا في افتتاح شركة صغيرة تخصصَتْ في مجال المقاولات، وأخذت الحياة تتبسم لهما وتكشف الدنيا عن جمالها الزائف؛ الذي سرعان ما سقط في وحل الجريمة مع أول قدم أنثى وطأَتْ بزينتها بلاط الشركة كسكرتيرةٍ لعوب تفتعل الأزمات وتوقع أحد الأخَوَيْن في شِباك كَيْدها، حتى يتزوج بها عرفيًا، وتظهر الخلافات ويكثر اللغط والتحدي والرغبة في الانتقام؛ لتسقط بعدها السكرتيرة الزوجة -ذات الماضي المُشين- قتيلةً في مصعد الشركة؛ وعلى إثر كذا تتدخل الشرطة التي كان لأفرادها أكبر الأثر في سبر أغوار الجريمة وكذا سير أحداثها حتى النهاية، وهكذا تتوالى التفاصيل وتتواتر الأحداث وتتسارع بشكل ارتأيتُهُ بديهيًا في بعض الأحيان، ودراماتيكيًا مبالَغًا به في أحايين أخرى؛ لا سيَّما مع تَوَلِّي جهات التحقيق للأمر ووقوع أحد ضباط المباحث -بشكل أقرب إلى الخيال- في عِشْق إحدى المشتبهات بهن في الواقعة؛ وما تَبِعَه مِن تمحور أحداث الرواية حول سلسلة من العواطف البراقة المائعة في ثُلُثها الأخير، بالتوازي مع مشاهد الزخم والجدية المُحاطة بأسياج الترقب والتحقيقات والشكوك والمداهمات وغيرها الكثير مِنَ الجد كما الهزل في مواضع متفاوتة.

اعتدْتُ بمقالاتي النقدية ألَّا مجال للخوض في تفاصيل الرواية بهذه الدقة المتناهية، لكن غلاف الرواية وشخوصها كان لهم نصيب الأسد من ملحوظاتي شبه العابرة التي آثَرْت ذِكْرها، وأبدأ بالشخصيات الثانوية وأدوارهم الفرعية التي أثارت حنقي كقارئٍ يعشق «الخُلاصة»، ولعل الكاتبة ارتأت الاستزادة من شخصياتها بلا داعٍ في مواضع عِدَّةٍ حتى أضافت لبعض الأبطال أختًا، وزوجةً، وابنة أختٍ، وهو مالم يسمن ولا يغني نهم القارئ في شيء، لكن «العجماوي» وهي التي لطالما احترفت الكتابات الأسرية، رأت إضفاء جوانب مجتمعية وعائلية كهذه ممخضة بدلالات الحب وفرضيات الود والرأفة وغيرة الزوجة مع لهفة الصغار وحنان الأخ وتودد الأخت وتصَنُّعها الليونة والدلال.. جاء بشكله الذي لم أتقبله أنا كقارئٍ على الأقل، لكن الحيادية النقدية تلهمني رفع القبعة لها احترامًا لعاشقي هذا التداخل الرهيب بين صنوف الرومانسية والإنسانية وصلة الرحم والحب والجريمة والندم والعقدة والحل...... إلى آخر ما منحتنا إياه الكاتبة في مجمل سردها بكفاءة عالية.
كما لم يفُتني أبدًا تجاوز غلاف الرواية الذي أعطاني نصف الدافعية لأبدأ خوض هاذي المغامرة الشائكة.. غلافٌ لم أعتده سوى في أعمال البوليسية القديمة وروايات الجيب وحتى أغلفة روايات الغرب التراثية المحاطة بالغموض والترقب؛ كل هذا وجدته في البوستر الأمامي للرواية الذي لا شك -رغم بساطته- منحني والقراء طاقة جذبٍ رهيبة لمحاولة استكشافه بحذر.

بعيدًا عن رؤاي النقدية الشخصية التي كالعادة أراها تختلف مِن كاتِبٍ لآخَر، لا أجد إلا الاتفاق حول قيمة ذاك السرد الأدبي ورقي حبْكَتِهِ الروائية بكلماتٍ ودلالاتٍ غاية في الدقة والرقي من الصفحة الأولى بالرواية وحتى الخاتمة العبقرية التي أتمت بها الكاتبة خَيْر تمامٍ لِما بدأَتْه خَيْر بداية؛ لترسخ هنا فكرة الفقر كمحورٍ رئيسيٍّ للشرور والآثام في مجتمعاتنا الشرقية التي لطالما عانت الشظف والضنك والشقاء، وهنا لا يسَعَني إلا أن أترككم مع صميم تلكم الكلمات العبقرية التي ساقتها الكاتبة قائلةً:
"الفقر مفرخة كل الموبقات، ومصدر كل الشرور الذي ينزع من القلوب الرأفة، ويُحَوِّل النفوس إلى خرائب، والأحلام إلى أطلال، ويجعل من الإنسان وحشًا كاسرًا لا يعرف الرحمة.. الفقر يُسكِن الحزنَ عيون الأطفال، والشرَّ قلوب الكبار؛ فيدمر كل جميل.. ابحثوا عن سبب كل جريمةٍ ستجدونه يقف بإباءٍ مُخرِجًا لسانه الطويل بتبجح، يخبركم بمدى سطوته وجبروته، يتحداكم لتقضوا عليه؛ اقضوا على الفقر تنتهِ أغلب آفات مجتمعنا".

#إبراهيم_فايد

 


      إليكم قصيدة نظمها د… اقرأ المزيد

عودًا حميدًا يا إمام

د / بشير عبد الله علي.  … اقرأ المزيد

يمم وجهك الأزهر

عاطف عبد العظيم المنشاوى   ولما ضاق… اقرأ المزيد

الهروب

بقلم: سامية عابدين   هنا على مقربة… اقرأ المزيد

سيدة بنكهة الجنة..

بقلم .. نيفين ابراهيم   حوار مع… اقرأ المزيد

حوار مع النفس ... !!!

  د / بشير عبد الله علي.… اقرأ المزيد

رمضان .. ربيع العام

بقلم  .. نيفين إبراهيم   سؤال يهم… اقرأ المزيد

الاختيار الأول في الحب .... !!!!

 Tweets by masrelbalad