logo

الربيع الأخير - قصة قصيرة

كتب: نافذة مصر البلد - 2018-08-05 17:42:44

بقلم د.مي مجاهد

 

تساقطت دموعها وهي تسطر آخر سطور رسالتها .. تلك الرسالة التي تحمل بين إطارها بعضاً من حكاية نسمعها ونراها كل يوم ولا نبالي.
تنهدت بألم وكأن ما تحمله بداخلها عجز عن السكون و بهمس كالإنين من بين دموعها التي كادت تحجب الرؤية أعادت قرأتها في ضعف:

 

أبي العزيز ... حينما تقرأ رسالتي أكون قد فارقت الحياة بمقتها وخداعها وتلونها ... عندما تقرأها قد تحزن على فراقي ولكن مع نهايتها ستسعد برحيلي ، نعم ستسعد وربما تحمد الله .

أكتب اليوم إليك لأول وآخر مرة منذ مولدي وأنا لم أعد إبنتك التي طالما تربت في جوارك ، لم أعد ذلك الشخص المرح الذي يحبه الجميع والذي كان يكفي وجوده بأي مكان كي يتحول إلى دفقة من الفرحة تتعالى معها الضحكات لتملأ الأرجاء.

 

 

تحولت مع الأيام إلى كتلة من الصمت العاجز أقرب منها للتماثيل الحجرية التي يعصف بها الألم فتتشقق كالجدران، و ترمم لتصمد ، ولكني كنت أشعر يا أبي بكلِ دقات مطارق الترميم على جسدي تؤلمني وما من مجيب لالامي ، فقدت الأمل في الصدق والثقة في العهد عندما أحببت ... نعم يا أبي أحببت فظننته الحياة ولكن وهبني الرحيل .

أحببت فارساً مغوار لا يهاب الموت أقسم لي إنني له الحياة فتلمست بجواره الدفئ والأمان والرحمة و الحب .. عشقت حقاً بكل ما تحمله الكلمة من معنى فأمنت يا أبي فسلمت له كل شيئ نعم كل شيئ .

 

لقد ملك مني أكثر مما أملك أنا في نفسي ، قابلته سراً بدون علمك .. سافرت معه بلدته حتى أكون بجواره .. كذبت عليك في كل اقوالي وأفعالي لأنال لمعه الفرحة في عينيه التي آرهقها العمل وتحمل المسئولية.

 

تركته يفعل بي ما يشاء كلانا فهو ابداً لن يخون عهدا قد عاهده وقسما قد أقسمه ، بل تماديت حتى تقابلنا في مسكنك وعلى فراشك الطاهر وكم تعالت أصواتنا لتغطي على طهارة المكان الذي طالما ملئته ذكراً وتسابيح .. وصدقاً بقدر متعتي بين يديه كنت أتألم لخداعك و خداع ربي ولكن كنت أبتهل أن يحين الوقت للعهد.

 

وإنتظرت وإنتظرت وطال إنتظاري لم أعد أدري كم من العمر مر علىّ فقد توقفت عن الحساب منذ أن حطمتني افعاله ... رجوته أن يستجيب .. دعوته أن ينفذ ... توسلت له أن يصدق ... فما كان منه سوى الأعذار و الأعذار والأعذار بلا جدوى بينما لا يجد غضاضة في قضاء الوقت على فراشك في تلذذ.

 

أنكسرت و إنكسر بداخلي ذلك القلب الذي طالما دق له حباً وعشقاً ليدق خوفاً من مصير محتوم .. أتذكر يومها يا أبي حين كنت أبكي ولا تعلم السبب في بكائي حين كنت تسألني لماذا أصبحت حزينة و مهمومه ؟.. أنه هو نعم هو السبب تعود على جرحي بدون تردد واعتاد رجوعي دون تفكير .

 

اليوم كان لقائنا الأخير حيث أصررت على الزواج فما كان منه إلا أن أخبرني بكل برود وقسوة ودون تردد لا ... فأنا لست من الطيبات لاناله .. لن يتزوج من شاركته الفراش دون زواج فلن يأمن على اسمه معها .. أتذكره يا أبي حينما كان يبكي بين يديي لأصدق أنني حبه الأبدي واليوم لا أستطيع نسيانه و هو يخبرني إنني لم أكن له سوى ملجأ لإشباع شهواته الحيوانية التي غلفها بغلاف الحب الأنيق وكلمات الغرام البراقة.

 

توقفت الدنيا وساد الصمت أين الحب والقسم أين الوفاء والعهد أين المشاعر و الكلمات فما اجابني سوى السكون القاتل ،كنتِ أهرول في الشوارع بحثًا عن بعض الملامح المضيئة لعلها تنير لي عتمة ملامحي التى لم أعد أعرفها؟! بعد أن بت غريبة حتى عني بلا جدوي .

 

كنت أبحث عن وجهه بين كل الوجوه حتي فقدت الأمل في العثور عليه ، أبات ليلى ساهرة لعله يبعث لي رسالة من رسائلة فاطمئن بلا جدوى فيعتصرني المزيد من الألم .

 

لم تعد الأيام والليالي تسعف في تضميد جروحي أو إصلاح الكسور لم تعد شجرة الحب التي زرعتها مثمرة فقد سرق بخداعه كل ملذاتها وخيراتها ..جفت أطرافها وتآكلت ظلالها فلم تعد تحميني كما كانت لم تعد أماني الذي كان.

ظل يطعن في قلبي و جسدي حتى تغيّرت ملامحي ونضبت منابعي ... كان للعشق عندي عنوان واحد وللفضيلة إطار واحد ، وللنور طريق واحد ، ولكنه طمس عنواني حطم إطاري وشتت طرقي ودروبي .

 

تركته يعبث بكل شيئ بدون سياج أو حرس ، وبدون تضحية أو مسئولية، استسلمت له في حب وضعف وإحتياج وتركت نفسي للعراء ظناً مني أنه الستر و الحماية ،فواجهت السرقة والخطف والنهب حتي المشاعر التي حملتها له نجح في قتلها بكل قسوة و رخص.

 

أبي مسكين أنت الآن مصدوم في صبيتك التي كنت تفتخر بها ، الذنب ليس ذنبك ولا ذنبه بل أنا حين صدقت من ليس أهلاً للصدق ، ووثقت في من ليس أهلا ًللثقة ففقدت كل شئ حتي لم أعد قادرة علي جمع ذاكرتي ،

أبي قبل أن أذهب عليك أن تعلم من هو لتعلم إننا جميعاً قد خدعنا في مظهره الأنيق وغرتنا بدلته الرسمية و عطره وهدوءه المثير .. 


أتذكر سبحته لقد اشتريتها له لتحميه مخاطر لم أعلم إنه يحمل أكثر منها بداخله ... هديته مصحفاً شريفاً عندما حمل قلبي حبه و وضعته له بيدي على التابلوه ليصونه ويحفظه لي ولقلبي فمزقني بدون رحمه ، تعلمه جيداً يا أبي فقد كنت تعتبره ابنا لك ولكنه كان قناع لامع مفيم كسيارته الفضيه ... يتستر خلفها عن الأعين، نعم يا أبي أنه ذلك الشخص الذي قلب ربيع حياتي خريفاً حتى غابت عني كل الشموس .. هو للأسف ولكن دعه فلن تفارقه لعناتي وأن كان موتي هو السبيل لذلك فمرحباً في موت يولد معه حياتك وعذابه لتدعوا لي بالرحمة يا أبي والمغفرة و ليسامحني الله على ما فعلت ..... إبنتك .

 

طوت الرسالة ووضعتها على فراشه في حسرة وعادت دموعها تنهمر بقوة وهي تضع نظارتها السوداء لتداري دموعها عن العيون ... واسرعت إلى سيارتها وهي ترى شريط ذكرياتها يمر أمام عينيها كمشاهد السينما الصامتة .. ضمت شفتيها في حزم وتناولت الهاتف وعلى نفس الشاشة التي حملت توسلاته ولوعته وحنينه كتبت ... اليوم بات الفراق قدري حتى يظل أبي مرفوع الرأس في فخر بعد أن حطمت بيدي جميع المصابيح وظللت أتخبط و أتعثر في ظلامك لا أعلم في أي الإتجهات أسير حتي امتلأ جسدي عن آخره بكدماتك وجروحك فخارت قواي عن التحمل .. لتعلم أنني لن افارقك ستظل لعنتي تطاردك ...

 

لن أدعك تستمر في خداع الجميع بقناع الشجاعة و الشرف و نوط الأخلاق و القيم ستراني في كل من حولك بتلك البراءة التي انتزعتها مني تعكر عليك صفو حياتك الكاذب حتى يقتص لي الله ما سلبته مني ... وزادت من السرعة مع رنين الهاتف المتواصل منه بعد أن تلقاها ولكن كان القدر أسرع منه و صوت الحادث يمزق سكون دنياها .

 

جلس الأب المكلوم على طرف فراشه لا يدري أيسعد حقاً أم يحزن ، أغمض عينيه وتذكرها منذ ولدت و هي تحبوا وتزدهر أمامه في أمان كأجمل الورود سامحها بعاطفة الابوة ولعنها بشرف الرجل و لكنه عزم على استرداد رحيقها المختوم ، تناول الهاتف ليمنعها فوجده مشغول وبينما تجمعت دموعة على شفاه الحزينة تجمع المارة حول السيارة في إشفاق وهم يدعون بالرحمة لصاحبها وتدفقت دمائها علها تطهرها من خطاياها بينما تواصل رنين الهاتف فالتقطه أحد المارة وأجاب " أيوة يا بني ادعيلها بالرحمة لاحول ولا قوة إلا بالله وردة في عز شبابها راحت في ثانية .. فصمت المتصل عن الرد بينما لم يصمت إنين جراحها للأبد.


  شعر  دكتور أحمد عبد الرازق  … اقرأ المزيد

الليل المخادع

بقلم ريهام عبدالواحد   فاشلون جدًّا ...… اقرأ المزيد

لكم حالك ..ودعّونا في حالنا

هناء عوض   و كتير كتييير و… اقرأ المزيد

حلوة الضحكة

بقلم هناء عوض   بمناسبة قرب الامتحانات… اقرأ المزيد

س سؤال ...

  بقلم  هناء عوض القدرة على الإبداع… اقرأ المزيد

دمتم مبدعين

بقلم ريهام عبدالواحد   يقول لي :-… اقرأ المزيد

قال لي ..وقُلت له

بقلم هناء عوض   الشغف الحياة الشغف… اقرأ المزيد

لمسة روح

 Tweets by masrelbalad